هـــــــــــــــــــــام جــــــــــــــــــــدا: الدعوة إلى الله هي مهمة الرسل وأتباعهم
يوجد صفحة من موقع "دار الإسلام" مخصصة لمساعدة أصدقائكم من غير المسلمين عن طريقكم بدعوتهم إلى التعرف على الإسلام بأحد السُبل والخيارات التالية:
1- عن طريق الجوال:
2- عن طريق مركز إسلامي:
3- عن طريق كتاب مميز:
4- عن طريق غرف الحوار المباشرة [15 لغة - 30 غرفة]:
للدخول إلى الصفحة يرجى الضغط على الرابط التالي: https://goo.gl/HOHIco
أنظروا إلى فضل إدخال الناس للإسلام:
قال الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ[فصلت:33]، وقال صلى الله عليه وسلم:لَئَنْ يَهْدِي بَكَ اللهُ رجلاً واحداً خيرٌ لكَ مِنْ حُمْرِ النعم متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: من دل على خير فله مثل أجر فاعله.رواه مسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم: مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الأَجْرِ مِثْلُ أَجُورِ مَنْ تبعه، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً،رواه مسلم. فأبشر أخي الكريم، أختي الكريمة، فإن الله سيكتب لك أجر كل خير سيعمله من يسلموا بسببك، و أتمنى أن تجتهدوا في دعوة الناس إلى دين الله.
في الأخير لا تتردوا في نشر هذه الصفحة وشكرا


الاثنين، 25 يونيو، 2012

الإندماج الإقتصادي للسّياسة الجبائية -الفصل7


الفصل السابع
الإندماج  الإقتصادي للسّياسة الجبائية
عن طريق التدخّل







مقدمة الفصل:  
يعتبر إندماج السيٌاسة الجبائية عن طريق التدخل من أهم وسائل التأثير الإقتصادي الموجودة في متناول السّلطات العمومية، فهي عادة ما تؤدي إلى إندماج أنشطة الإقتصاد العام ضمن نسق متكامل, و عليه فإن السّياسة الجبائية لا تتوقف عند تغيير معطياتها فحسب، بل تتعدى ذلك إلى تعديل و تغيير معطيات النّشاط الإقتصادي  بإحترام آلياته، بحيث أن تراجع الإنتاج ينتج عن ضعف الإستثمار الخاص، و دون البحث عن إتجاه مسار الإستثمار الكلّي، فإن السّياسة الجبائية سوف تحاول تحفير الإستثمار الخاص أو إعادة بعث النّشاط عن طريق التحفيزات الجبائية من جهة أو زيادة حجم الإستثمار العمومي ()من جهة أخرى و هو ما يصطلح عليه بالسّياسة الجبائية الشرطية و التي بإحترامها للآليات فإنها تهاجم الآثار السيئة الناتجة عن سيرها العفوي و بذلك فإنها تقوم بتعويض نقص الإنتاج و لكنها لا تحدث تغييرا على آلية الإستثمار.
و بالعكس فإن التدخّل الوظيفي يتغلغل ضمن الآليات بغرض تعديل و تغيير سير عملها و بذلك فإن تثبيت حجم الإستثمار الكلّي عند مستوى معين، يتجاوز بكثير الإستثمار الإضافي البسيط.
كذلك فإن  سياسة إعادة توزيع المداخيل تذهب بعيدا داخل آليات توزيع الدّخل الوطني، فالأمر يتعلق في هذه الحالة بتأثير إرادي يسمح للآليات بالقيام بوظائفها كالتّشغيل الكامل لعوامل الإنتاج بالنسبة لآلية الإدخار و الإستثمار و منح كل فرد دخل يطابق متطلبات الوجود البشري.
فأنشطة الإقتصاد العمومي و الإقتصاد الخاص تكون بذلك مندمجة في سياق سياسة جامعة أين تمزج الخصائص الإقتصادية بالخصائص المالية الجبائية إلى درجة لا يمكن تفرقتهما أحيانا.
المبحث الأول: التدخّل الشرطي l’intervention Conditionnelle
يمكن للتدخّل الشّرطي أن يأخذ شكلين، بحيث يمكن أن يحاول تعويض اللآّتوازنات الإقتصادية بلاتوازنات جبائية في الإتجاه المعاكس( )، و هو ما نصطلح عليه بالتدخّل التعويضي L'intervention Compensatrice , كما يمكن البحث عن الحّد من تأثير هذه  اللآّتوازنات عن طريق تعديل هذه الأخيرة و تصحيحها) (، و هو ما نصطلح عليه بالتدخّل التصّحيحي   L'intervention Correctrice، و في كلتا الحالتين يتّم إحترام الآليات بحيث نتعرض للآثار الناتجة عن سيرها أو نحاول مراقبتها و لكن بدون تعديل الآليات في حدّ ذاتها.
المطلب الأول: التدخّل التعويضي:L'intervention Compensatrice
يتطّلب التدخّل التعويضي للسّياسة الجبائية المساهمة  وفق مخطط عمل شامل و متكامل، في مواجهة لا توازن إقتصادي يسير نحو إتجاه معين، عن طريق لاتوازن جبائي يسير في الإتجاه المعاكس، حيث يسمح أثر التعويض بإعادة النّشاط الإقتصادي إلى وضعية  الإستقرار.
 وبذلك فإن سياسة التكيّف تظهر قابلة للنّقد من حيث البحث على إعداد توازن الموازنة و ما ينتج عنه من مخاطر عندما نكون في فترة اللآّتوازن الإقتصادي الحاد، فعندما نواصل عملية إعادة توازن الموازنة برّفع مستوى الضّغط الجبائي، أي رفع نسب الإقتطاع فمن شأن هذا السّلوك أن يؤدي إلى عرقلة الإنتعاش الإقتصادي، نظرا لأن الإقتطاعات الجبائية المرتفعة تعارض التكيّف بإنخفاض الأسعار، كذلك فإن رغبة الحصول على توازن الموازنة بتخفيض النّفقات العمومية يؤدي إلى إنخفاض الإنفاق الكلّي الذي يحدث الإنكماش الإقتصادي، و بذلك فإن الأولوية هي للتوازن الإقتصادي و ليس لتوازن الموازنة و هو الأمر الذي يتطلب مساهمة السّياسة الجبائية من خلال مجالها ضمن السّياسة المالية في جهد التعويض أي تعويض اللاّتوازنات الإقتصادية .
و إذا سلّمنا بضرورة وجود إقتصاد عمومي ذو دور فاعل و منتج، فإن هدف السّياسة  الجبائية يتمثل في ضمان تمويل جهود الإنتاج بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما يعوض العجز الظرفي للإقتصاد الخاص و بذلك فإن الإقتطاع الجبائي  ينتقل من وضعية إحتواء الثروات إلى وضعية تمويل النّشاط الإنتاجي.
و عليه يمكن إنتظار رّد فعل من  الإقتصاد العمومي المندمج في سّياق الإقتصاد الوطني، يسمح بتعويض اللاتوازنات الإقتصادية الناتجة عن السّير العفوي لآليات الإقتصاد الخاص، و ذلك على عدة مستويات، و لعلّ أهمها إعادة توزيع المداخيل و رفع القدرة الشرائية عن طريق ما يسمّى بسياسة إنعاش الإستهلاك، بعث الجهاز الانتاجي الرّاكد عن طريق تحفيز الإستثمار الخاص و الانطلاق في الإنجازات الكبرى ذات النّفع العام.


1- إنعاش الإستهلاك :
الإنعاش في هذه الحالة يرمي إلي تعويض الأبعاد الإنكماشية التي قد تطبع الإقتصاد الوطني، بأبعاد توسعية لقطاع إقتصادي ما نتيجة أهميته الإستراتيجية في تنمية النّشاط الإقتصادي (أقطاب النمّو)، أو يمكن إعداد هذه السياسة بالإعتماد على التحليل الإقتصادي لموضوع الأسعار بحيث نحاول إثارة ارتفاعها عن طريق التخفيض النقدي ( Dévaluation monétaire( ، ممٌا يؤدي إلى إستقرار الوضع المالي هذا من جهة، كما نعتمد أيضا على الدّور المحرك للطّلب الإستهلاكي بحيث يقوم تزايد القدرة الشرائية بإنعاش الإقتصاد الوطني من جهة أخرى. ففي مرحلة أولى يجب الإستفادة من التعويض النقدي عن طريق الإقتطاع الجبائي، و في مرحلة ثانية فإن السّياسة الجبائية تصبح عاملا فاعلا للتعويض عن طريق إحداث إعادة التوزيع للمداخيل و رفع مستوى القدرة الشرائية .
أ- التخفيض النّقدي التعويضي:  La dévaluation monétaire Compensatrice
يعتبر التخفيض النّقدي التعوضي عملية إرادية تهدف إلي إثارة إرتفاع الأسعار, ممّّّا يسمح بإنعاش الحياة الإقتصادية أو تسهيل التسيير المالي للإقتصاد العمومي. فالأمر لا يتعلق بتخفيض نقدي ناتج عن إنخفاض سابق للعملة الوطنية في سوق الصّرف أو في سوق السّلع و الخدمات، و إنّما نثير هذا الإنخفاض بغية الحصول على آثار إقتصادية و مالية مرغوب فيها عن طريق تعديل مستوى القيّم.
و على هذا الأساس فإن التّخفيض في قيمة النّقد يحدث في السّوق الداخلية إنخفاضا مؤقتا لأسعار التكلفة  و تزايدا  في حجم الإنتاج، و حين وصول الأثر إلى الأسعار فإن النّشاط يعتبر قد تم بعثه( )و يتّمثل الأثر الأساسي للتخفيض النقدي كونه يؤدي إلي زيادة الإيرادات الجبائية عن طريق إرتفاع الأسعار الداخلية،نمو الصادرات، و كذا إرتفاع حجم الإنتاج بصفة عامة.
و ممّا لا يدع مجالا للشّك هو  أنٌ الإنفاق العمومي يتزايد كذلك، غير أنه ضمن موازنة عادية حيث تأخذ نفقات التسيير مكانة معتبرة فإن مركز الموازنة المطابق لا يشهد نفس التزايد خاصة و أن نمو الرواتب يكون متأخرا مقارنة بإرتفاع الأسعار، و إضافة إلى هذا فإن إمكانية زيادة الإيرادات الجبائية تبقى قائمة، و ذلك من خلال توسيع المادة الخاضعة على حساب المستفيدين من التخفيض النقدي كالمصّدرين، أصحاب المؤسسات الصّناعية و التّجار.
و هكذا فإن تدخّل السّياسة الجبائية على مستوى الأسعار الداخلية و الخارجية يسمح بإنعاش النّشاط الإقتصادي عن طريق تعويض عجز الموازنة العمومية الناتج عن الرّكود و الإنكماش.
و تجدر الملاحظة أن هذا النوع من السّياسات لا يخلو من المخاطر لأن تذبذب و إختلال مستوى القّيم يؤدي إلي إنسداد إقتصادي و إجتماعي ضحاياه هم القطاعات و الأفراد المتواجدة ضمن دائرة المداخيل الثابتة لذلك هناك دور آخر يناط بالسّياسة الجبائية نفسها، يتمّثل في تأطير التّخفيض النقدي حتى لا يأخذ مجرى آخر غير ذلك المرغوب فيه، كما أن هناك دور يناط بالوجه الآخر للسّياسة الجبائية نفسها و هو يرتبط  بإعادة توزيع المداخيل و رفع مستوى القدرة الشرائية.
ب- رفع مستوى القدرة الشرائية :
و تتمثل في منح المستهلكين بصفة عامة و بشكل مباشر أو غير مباشر قدرة شرائية إضافية، تؤدي إلى زيادة الطّلب الاستهلاكي( ) بالتأثير إلى زيادة الإنتاج، و بذلك فإنه على الموازنة العامة المساهمة في تمويل هذه القدرة الشرائية الإضافية التي قد تؤدي أحيانا إلى وضعية العجز الذي يمكن تغطيته لاحقا عن طريق زيادة مردودية الإقتطاعات الجبائية الناتجة عن إنعاش النّشاط الإقتصادي.
و في هذا السّياق، نلح على ضرورة  تعويض التغطية المالية لتوسيع القدرة الشرائية مباشرة بعد إستعادة حيوية النّشاط الإقتصادي بإيرادات جبائية فعليه، و هذا لتفادي الوقوع في الحلقة المفرغة للعجز المزمن للموازنة العمومية.
2- دفع الجهاز الإنتاجي :
و تتمثل هذه السّياسة في إحداث تأثير موجّه نحو إعادة بعث النّشاط الإقتصادي سواء على مستوى الإقتصاد الوطني ككّل أو على مستوى بعض فروع النّشاط لأهمية تأثيرها على الجهاز الإنتاجي بصفة عامة، و لعل ّ أهم طريقة لإحداث هذا التأثير هي تحفيز الإستثمار الخاص، و ذلك بتطبيق التوسّع النّقدي الذي يسمح بإستثمار رؤوس الأموال في المدى الطويل، ممّا يتطّلب البحث عن سعر الفائدة المنخفض الذي يؤدي إلى تخفيض تكّلفة رأس المال موضوع التكّوين.
و لهذا الغرض فإن السّلطات العمومية تتوفر على وسيلتين و هما: السّوق المفتوحةOpen Market و الإصدار النقديL' émission monétaire ،  بحيث تتمثل سياسة السّوق المفتوحة في تدخّل الدّولة عن طريق الخزينة العمومية أو البنك المركزي لشراء سندات المدى الطويل المطروحة للبيع في السّوق المالية( )، و بذلك فإن هذه المشتريات تؤدي إلى إرتفاع الأسعار  في بورصة القيمّ غير أن وجود السندات في حوزة السّلطات العمومية يسمح لها بتثبيت سعر الفائدة عند أدنى قيمة ممكنة مقارنة بسعر  التوازن الابتدائي،  ممّا يسمح للمستثمرين بالحصول على كمّية رأس المال اللاّزمة بأقل التكاليف، و ضمن هذا الطرح يجب أن يتخّذ الإقتطاع الجبائي موقف الحياد نظرا لقدرته على رفع مستوى سعر الفائدة الحقيقي.
أمّا في ما يتعلق بالإصدار النقدي فإنه يسمح بزيادة حجم السّيولة النقدية، ممّا يؤدي إلى إنخفاض أسعار الفائدة الحقيقية و قد تؤدي هذه الإجراءات إلى مخاطر فعلية عندما تنحدر الكتلة النقدية المتداولة في سوق رؤوس الأموال إلى سوق السّلع و الخدمات، و بذلك الإتجاه نحو الظاهرة التضخّمية التي تتطّلب اللّجوء إلى الإجراءات المقيّدة و هو الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى عكس إتجاه الهدف المسّطر، و في ظّل هذا الوضع يمنح للسّياسة الجبائية دور حراسة و تأطير الإصدار النّقدي من خلال إمتصاص الكميات المنحدرة من الكتلة النقدية إلى سوق السّلع و الخدمات.
و ما يمكن ملاحظته أن عملية شراء السّندات قد تتطلب اللّجوء إلى الإصدار النقدي لزيادة قيمتها و ضمن هذه الفرضية يجب إتباع طريقة التدرج الزمني في زيادة نسبة الإقتطاع على رأس المال و ذلك من منظور تأطير الظاهرة التضخمية هذا من ناحية و من ناحية أخرى يجب تخفيف الضّغط الجبائي على عوائد و مداخيل المستثمرين حتى يتسنى لهم الإستفادة منها و إعادة تكوين رؤوس أموال أخرى.
3- الإنطلاق في الإنجازات الكبرى :
تندرج سياسة تحقيق الإنجازات الكبرى ذات النفّع العام ضمن منطق ترشيد الإنفاق العمومي، و هي تتطّلب حشد الإمكانيات المالية، و لعلّ جزء من هذه الإمكانيات يأخذ شكل الإقتطاعات الجبائية على المداخيل، المعاملات و الإستهلاكات المتأتية من أشغال تحقيق هذه الإنجازات، و هذا بافتراض ضخ موارد مالية أولية في بداية الأشغال قد تتخّذ لها مصادر مختلفة.
و تتجاوز سياسة الإنجازات الكبرى مجرد دفع آلية الإنتاج نظرا لأنها تؤثر بسرعة على اللاتوازن الإقتصادي عن طريق تنمية الإنتاج و الإستهلاك بالموازاة، ممّا يؤدي إلى التزايد المستمّر و المطّول للدّخل الوطني، بحيث أن زيادة الإنفاق الإستثماري يحدث تزايدا في الدّخل الوطني الذي يفوقه عدّة مرات ، وهذا طبقا لمضاعف الإستثمار الذي يسمح بقياس درجة تزايد الدّخل الناتج عن تزايد الإستثمار و هو يتحدّد بهيكل و بالمعطيات الأساسية لكل إقصاد وطني.
وبقيام السّلطات العمومية بهذا النوع من الإستثمار للزّيادة في حجم الإنتاج الكلّي الذي  يرفع مستوى ثروة المجتمع، يجب أن لا يمتّد تدخّلها إلى مجال الإستثمار الخاص و بذلك الإحجام عن منافسة  القطاع الخاص و هو الأمر الذي يقيّد مجال الإستثمار العمومي عند الأنشطة غير المربحة خاصة و أن الأنشطة المربحة و ذات المردودية تجذب القطاع الخاص، غير أنه من بين الأنشطة غير المربحة يمكن اختيار تلك المنتجة للمنافع العمومية كالموانئ، المستشفيات، المدارس، الطرق .......إلخ. فهذه الإنجازات تزيد في مستوى التجهيز العمومي و بذلك الزيادة في حجم المنافع المتاحة.
المطلب الثاني : التدخّل االتّصحيحي .  L'intervention Correctrice
يمكن تصّور طريقتين أساسيتين للتدخّل التّصحيحي و هما سياسة الحلقة La Politique du circuit ) (والتأثير المضاد للتضخّم   L'action anti-inflationniste
1- سياسة الحلقة:
و التي تعتبر تدخّلا تصحيحيا عميقا و مستديما على النّشاط الإقتصادي ،كما أنّها تعتمد أثناء الظّروف الإستثنائية الخطيرة. كالأزمات الحّادة نظرا لأنها تفترض مجموعة من القيود و الإجراءات يمكن فرضها أو تطبيقها بسهولة، و بذلك فإن من خصائصها الإمتداد شيئا فشيئا نحو مجموعة الآليات متطلبة العمل المستمّر، بحيث يمكن إعتبارها إلى درجة معينة سياسة إقتصادية في حدّ ذاتها تستوجب مساهمة السّياسة الجبائية .
وفي هذا السّياق سوف نحاول التطرّق لمبدأ سياسة الحلقة من حيث طريقة سيرها، ثم نحاول إظهار  الكيفية  التي من خلالها يتم إندماج السّياسة الجبائية ضمن التدخّل التصحيحي المعمّم.
أ‌- مبدأ السّياسة  :
حيث نأخذ كنقطة إنطلاق وضعية تتميّز بنقص العرض مقارنة بالطّلب تؤدي إلى إرتفاع الأسعار و قد تطابق هذه الوضعية حالات تاريخية معروفة كالحروب، الانكماش الإقتصادي، وجهود الإستثمار المكّثفة.....إلخ،  فندرة السّلع تؤدي إلى الإنتقاء عن طريق الأسعار) (، بحيث أن المستهلكين ذوي المداخيل المرتفعة يمكنهم دخول السّوق و اللّجوء إلى المزايدة بغرض الحصول على المنتجات النادرة وهو الأمر الذي يغذي  إرتفاع الأسعار و يزيد في هوّة عدم المساواة. و في حالة الإرتفاع المعتبر للأسعار  يصبح من الضروري إعتماد سياسة تخص ميادين العرض و الطّلب الكليّين حسب مظاهرهما النقدية و الحقيقية.
فالإجراءات المتعلّقة بالعرض تمتّد بالدّرجة الأولى نحو أسعار الخدمات الإنتاجية كالأجور، الفوائد و الرّيوع وكذا أسعار المواد الأولية و هذا للحفاظ على إستقرار أسعار التّكلفة عند مستوى معين، هذا بالإضافة إلى التوزيع الانتقائي  للقروض الذي يحفّز أو يعيق المؤسسات بحسب المنفعة المتأتية من نشاطها، ممّا يمكّن من مراقبة حجم الإنتاج  وتحديده بالنسبة للموارد المتاحة و بالنسبة للحاجات المرغوب تلبيتها في نفس الوقت، و بهذا فإن الأسعار و الكمّيات تكون محدّدة و يدخل العرض السّوق ضمن شروط  إعدادية حيث يلتقي بطّلب يستوجب التحديد أيضا، بهدف المحافظة على الأسعار عند مستوى ملائم لتلبية رغبات مجموع المستهلكين
ويخضع الطّلب أيضا لمجموعة من الإجراءات التطويقية،  ولعّل أهمها إعداد تخصّيص للكمّيات المطلوبة(*)التي تصّرف وفق السّعر المحّدد، فالطّلب يكون محدّدا في حجمه الحقيقي وفي قيمته النقدية و بهذا الشكل يتم ضبط الطّلب الكلّى بشكله الحقيقي والنّقدي مع العرض المتواجد في السّوق، ممّا يضمن المحافظة على إستقرار الأسعار .
لكن هذا الطّرح  النّظري يعاني من عدّة نقائص عند تطبيقه بحيث إثنان يعتبران أساسيان،  فالنّقص الأول يتمثل في كون الأفراد الذين لديهم مداخيل مرتفعة تتوفر لديهم مبالغ متاحة عند تلبية طلبهم حسب المعايير المذكورة أعلاه، و بذلك فإنهم يبحثون عن زيادة حجم السّلع التي يمكن شراؤها مقابل سعر مرتفع نسبيا مقارنة بالسّعر المحّدد وهو الأمر الذي يؤدي إلى ظهور السّوق الموازية(*)التي تحوّل حجم سلع معين من السّوق الرّسمية و بذلك تعطيل الآلية عن طريق ندرة العرض، و إضافة إلى هذا (النقص الثاني) فإن الأسعار تبقى مستقرة إذ لم تتغيّر كتلة المداخيل المتاحة و عليه فإن تزايد الحجم الإجمالي للدّخل الإسمي يحفّز المستهلكين الباحثين عن المنتوجات على إقتراح أسعار أكثر إرتفاعا، وهو ما يغري المؤسسات لتحقيق أكبر الأرباح من وراء توسيع حجم إنتاجها و بذلك نلجأ إلى ضرورة مراقبة المداخيل  و هو القيد الذي يمتد تدريجيا  إلى كل النّظام .
ب‌- الدّور المشوّش للنّفقات العمومية :
تطبّق سياسة الحلقة عادة كما سبق ذكره في الفترات الصّعبة أين تلاحظ ندرة المنتجات و غالبا ما  يصحب هذه الندرة النّفقات العمومية الضّخمة لتمويل الجهد الإستثماري المكثّف مثلا،  لكن هذه النّفقات لا تطابق تكوين الثّروات ذات الإستعمال الإستهلاكي بالرغم من أنها تتكون من حصة من مداخيل العناصر الجبائية بحيث أن الجهد الإستثماري المكثّف يتوجه نحو إنشاء الثروات الجديدة  المكونة أساسا من السّلع الإنتاجية، الهياكل القاعدية و كذا السّكن وهو ما لا يزيد مباشرة في سلع الاستهلاك لكنه يؤدي إلى زيادة المداخيل من أجور و أرباح بالنسبة للمتدخّلين، و بذلك ينتج إنقطاع بين كتلة المداخيل النقدية الموزّعة و كتلة المنتجات المتوفرة في السّوق وهو الأمر الذي يزيد من حدّة اللاّتوازن الأولي الناتج عن الندرة حيث نجد أنفسنا ضمن متناقضة واقعية قابلة للتفسير.
فالسّلطة العمومية  تفرض الإجراءات التطويقية في حين أنها مجبرة على توسيع دائرة الإنفاق العمومي، ومن هذا المنطلق يجب أن  تدمج سياسة الدّورة ضمن آفاقها، الدّور المشوّش للنّفقات العمومية الذي يتطلب البحث عن وسيلة للقضاء عليه، سواء تعلق الأمر بنشاط المؤسسات أو نشاط الدّولة اللّذان يفرزان المداخيل الإضافية. فهناك مجموعة من التقنيات تسمح  بإمتصاص فائض الدّخل بما يتوافق و إمكانيات السوق بالإضافة إلى  ضمان تمويل النّفقات العمومية بتأطير أثرها  التضخّمي، و لعلّ أهم هذه التقنيات هي التقنية الجبائية.
ج- إمتصاص المداخيل الفائضة و تمويل النّفقات العمومية :
تتمّثل الأداة التّقنية التي تسمح بإمتصاص المداخيل الفائضة و تمويل الإنفاق  العمومي في الإقتطاع الجبائي، بحيث أنّنا نعلم مدى قدرة هذا الأخير في حلّ المشاكل المتعلّقة بالسّيولة بالإضافة إلى دوره الأكثر أهمية و المتمّثل بالدّرجة الأولى في إمتصاص المداخيل الفائضة التي تهدد بصفة دائمة التوازن الذي نريد الحفاظ عليه بصعوبة و هذا بين كتلة السّلع غير الكافية من جهة و كتلة المداخيل المتجّهة نحو الإرتفاع من جهة أخرى، حيث يمكن تطبيق تصاعدية الإقتطاع الجبائي (التصاعدية بالشرائح أو التصاعدية الإجمالية) الذي يقع على المداخيل. و بذلك يتّم القضاء على الجزء من المداخيل المتجهة نحو السّوق الموازية.
كذلك فإنٌ هذا النّظام سوف يجد معناه الحقيقي بإعتباره أداة لتمويل النّفقات العمومية، بحيث يتم تغطيتها بناتج تحصيل الإقتطاعات الجبائية على المداخيل، هذا بالإضافة إلى مصادر التّمويل الأخرى، بحيث أننا رأينا أنّ النّفقات العمومية لا تطابق إنشاء الثروات في المراحل الصعبة و الخطرة و إذا كانت آلية المراقبة تعمل بصفة جيّدة،  فإن الجزء الأكبر من النّفقات العمومية لا يغذي القدرة الشرائية المستعملة في الأسواق و إنّما يغذي المداخيل الإضافية الخاضعة للإقتطاع الجبائي و بذلك فإن المبالغ التي تمّ إنفاقها بدون مقابل حقيقي تعود إلى الخزينة العمومية.
و تنتج لدينا بذلك حلقة: الخزينة العمومية – العناصر الجبائية – الخزينة العمومية تمتص المداخيل الإضافية و تقضي على الأثر المشوش للإنفاق العمومي.
و كلّما كان حجم الإقتطاعات الجبائية كافيا لتغطية النفقات العمومية الجديدة فإن الحلقة تبقى مغلقة و بذلك يمكن الحفاظ على مستوى الأسعار المرغوب فيه غير أنه إذا لم يتم تحصيل الإقتطاعات الجبائية بصفة تامة و شاملة فإن الحلقة تكون مفتوحة و بذلك توجد مبالغ تتوجّه نحو الأسواق الرّسمية و الموازية تزيد في حدّة الإنقطاع و تحفز إرتفاع الأسعار.
و أخيرا فإنٌ سياسة الحلقة ترتبط في معظمها بالسّلوك السّوي و بالحّس المدني للأفراد من جهة، كما ترتبط برشادة التسيير لدى السّلطات العمومية من جهة أخرى، مما يسمح بتجاوز الظّرف بأقل التكاليف.
2 - التأثير المضاد للتضخّم :
من شأن الإصدار النقدي أن يؤدي إلى ظواهر تضخّمية كما سبق ذكره و بذلك فإن التضخّم ينتشر عن طريق آلية الدفع عندما لا يشكل الاكتناز مكبحا أو عن طريق سير العملية الإنتاجية عندما يكون العرض صلبا( )،  وقد يحدث أن يكون هذين العاملين متظافرين ضمن تأثير مشترك، بحيث يأخذ التضخّم أهمية معتبرة.
فمراقبة الطّلب عن طريق السّياسة الجبائية كفيلة بالقضاء أو إحتواء تطور الظاهرة التضخّمية، لكن هذا لا يكفي لوحده لأنه يجب التعرض للأسباب التي أدّت إلى إستفحال وضعية التضخّم و بذلك البحث عن وسائل تصحيحها، ممّا يؤدي إلى إستعمال الأدوات الأخرى للسّياسة المالية بإعتبارها إطارا عاما( ).
ولتقليص الطّلب فإن هناك ثلاث إمكانيات، بحيث إثنان يمثلان إندماجا للسّياسة المالية ضمن السّياسة الكلّية ذات البعد الإقتصادي. فالإمكانية الأولى تتمثل في اللّجوء إلي الجباية على شكل إقتطاع إستثنائى لمكافحة التضخّم، و ممّا لا يدع مجالا للشك هو أن الوسيلة السّهلة، على الأقل من وجهة النّظر السيكولوجية تتمثل في إعتماد إمكانية القرض العمومي، و هو الأمر الذي لا يمكن التفكير فيه قط أثناء فترة التدهور النقدي، لذلك يمكن إختيار إمكانية ذات رؤية أخرى تؤدي إلى هذه النتيجة بحيث أن بعض الفئات من العناصر الجبائية المهدّدة بثقل العبء الجبائي، يمكنها التخلصّ منه بإكتتاب قرض يساوي مبلغ الإقتطاع الجبائي الواقع عليها و هو ما يتطلب الإجراءات الجبائية الترخيصية، حيث تكون السندات إسمية، غير قابلة للتنازل و غير قابل للتظهير أي أنها تلتصق بصاحب العبء الجبائي.
أمٌا الإمكانية الثالثة فتتمثل في إستبدال الأوراق النقدية مع التدرج في توفيرها أي إثارة الندرة المؤقتة  للأوراق النقدية الجديدة مما يسمح بما يلي:
التّخفيض المؤقت للتّداول الذي يكبح إرتفاع الأسعار.
التّحصيل السّريع للإقتطاعات الجبائية.
مراقبة التصريحات الجبائية.
الحدّ من توزيع القدرة الشرائية.
و بذلك فإن الوسائل الجبائية و النّقدية تمّكن من تعقيم القدرة الشرائية الفائضة، هذا بالإضافة إلى ضرورة إنعاش العرض عن طريق زيادة إنتاج السّلع و الخدمات،  لاسّيما فيما يتعلق بتسريع  إنجاز الهياكل القاعدية و التجهيز بإستعمال  ناتج الإقتطاعات الجبائية و القروض العمومية،  و في الأخير نتمكّن من تكييف حجم الطّلب الكلّي مع حجم العرض الكلّي و الحفاظ على مستوى أسعار مستقرّ نسبيا.
و تجدر الملاحظة أن عملية التصحيح بالتأثير المضّاد للتضخّم لا يمكن الحصول عليها بشكل دائم إلا عن طريق تحقيق الإنسجام بين العرض و الطّلب الكلييّن، و هو الأمر الذي يتطلّب عدم التزايد السّريع للنّفقات مقارنة بحجم الإنتاج مهما كانت وضعية الإيرادات العمومية المحقّقة.
المبحث الثاني : التدخّل الوظيفي L'intervention fonctionnelle
لا يكتفي التدخّل الوظيفي بتعويض أو تصحيح الآثار السّيئة الناتجة عن سير عمل الآليات بل يتعدى  ذلك ليدخل ضمن هذه الآليات بهدف تغيير و تعديل سير عملها،  و بذلك فإن تأثيره يعتبر أكثر عمقا.
و في هذه المرحلة من دراستنا سوف نتعرض لسياسة التّشغيل التي ترتكز على تعديل آلية الإستثمار و سياسة تصحيح اللاّمساواة في المداخيل التي تقوم بتعديل آلية التوزيع .
المطلب الأول : سياسة التّشغيل : La politique de l'emploi
فبماذا تتمثل سياسة التّشغيل أو التّشغيل الكامل كما تسمى عادة؟  لذلك سوف نحاول تعريفها قبل إظهار الدّور الهام الذي تلعبه السّياسة الجبائية في هذا الميدان.
1- مشكل التّشغيل :
يعتبر مشكل التّشغيل مشكل  الساعة  بحيث أن كلّ الدّول توجد في وضعية أو في حالة حرب مع البطالة بهدف إيجاد عمل لكلّ فرد خاصة و أن ميثاق الأمم المتحدة و دباجة العديد من الدساتير تلزم الحكومات بإعداد التّشغيل الكامل الذي يجسد حق العمل. و قد إقترح "ج. م. كينز"  في نظريته العامة للتّشغيل، الفائدة و النقدً " قاعدة نظرية لإعداد سياسة يناط بها تحقيق هذا الهدف( ).
و عليه فإن من شأن تهديد البطالة أن يؤدي إلى إعداد سياسة للتّشغيل معروفة و سائلها، و بذلك فإنه يتم دمج الأبعاد المالية الجبائية ضمن الوسائل أو الأدوات الإقتصادية البحتة بهدف الوصول إلى غاية محدّدة.
ويعّرف التّشغيل الكامل نظريا على أنه الوضعية التي في سياقها كلّ شخص يريد العمل، بمعدل الأجر الجاري يستطيع إيجاد شغل، و هو يعتبر قد تمّ إعداده عندما لا يوجد إلا بطالة متبقية ناتجة عن البطالة المؤقتة إلى جانب البطالة الإرادية النّاتجة عن رفض العمل بالأجر الحالي (من 3% إلى 4% من مجموع اليدّ العاملة )( ) ،  لكن  هذا التعريف يفقد دقته من الناحية العملية، و ذلك من حيث تحديد درجة الإستعمال الكلّي لليد العاملة، فقد نلجأ إلى إستعمال المعطيات الإحصائية غير أنه يجب معرفة زمن العمل الأسبوعي و كذا الأجر الذي على أساسهما يحدّد مستوى التّشغيل الكامل خاصة و أنه لا يجب إهمال أهمية عدد ساعات العمل و الأجر المدفوع بالنسبة للمؤسسة، و نظرا لهذا فإننا نكتفي بمفهوم تقريبي للتشغيل الكامل و هو أعلى مستوى لتشغيل اليد العاملة.
فالتّشغيل الجزئي هو عكس التّشغيل الكامل و هو يدّل عن وجود البطالة اللاّإرادية بصفة دائمة حيث يقبل الأجراء العمل بمعدل الأجر الجاري أو بمعدل أجر أقل منه، لكنّهم لا يجدون من يشّغلهم، ممّا يجعل التّشغيل الجزئي حالة للبطالة المزمنة التي يمكن أن تتواجد حتى في فترات الرّخاء.
أمٌا هدف السّياسة المتبعة فيتمثل في القضاء على التّشغيل الجزئي أو البطالة المزمنة و إحلال التّشغيل الكامل محلّها لذلك يجب تحليل أسباب التّشغيل الجزئي حتى نتمكّن من تحديد و سائل هذه السّياسة بحيث نستطيع الإستنتاج أنه يوجد توازن للتّشغيل الجزئي و هو بدون شك توازن غير تام équilibre imparfait أين يتساوى العرض و الطّلب على السّلع بشكل كاف للحصول على توازن الأسعار و المداخيل، لذلك يجب ملاحظة هذا التوازن و دراسة سير عمل آليته لتحديد التدخّلات الواجب القيام بها.
أ- أسباب التّشغيل الجزئي:
حسب التّحليل الإقتصادي التقليدي فإن إنخفاض الأجور يؤدي إلى تخفيض البطالة غير أن الواقع أثبت أنّ مرونة الأسعار لا تكفي لبلوغ هذا الهدف، بحيث أن هّذاّ الطرح يعتبر صالحا بالنسبة للمؤسسة لكنّه غير صالح بالنسبة لمجموع الإقتصاد الوطني.
و في هذا السّياق أشار"ج . م  كينز"  أنه لا يمكن لإنخفاض الأجور أن يمتص البطالة لأن حجم التّشغيل لا يتحدد  بدلالة الأجور و إنّما يتحدّد بقرارات الإنتاج أو بحجم الإنتاج و عليه فإن إنخفاض الأجور( تناقص القدرة الشرائية) يؤدي إلى إنخفاض الطّلب الكليّ للأجراء( )، و بذلك إنخفاض حجم الإنتاج الضروري لتلبية  هذا الطّلب و بصفة عامة  إنخفاض  النّشاط الإقتصادي،  فهناك علاقة طردية بين حجم الإنتاج و حجم التّشغيل، غير أنه لا يوجد ضمان على أن حجم الإنتاج المقرّر من طرف المنّظمين يكفي لإستهلاك كل عرض اليد العاملة، لذلك يجب معرفة ظروف تحديد حجم الإنتاج.
فحجم الإنتاج يتحّدد بدلالة توقعات الطّلب التي يقوم بإعدادها المنظّمون في بداية الفترة، فهم ينتجون للسّوق و من واجبهم توقع الطّلب الذي سوف يظهر، غير أنه حتى و إن كان ذلك في إطار دراسة للسّوق فإن هناك هامشا للخطأ أو نزعات تفاؤلية أو تشاؤمية غير مؤسسة أحيانا،  فإذا إحتوت التوقعات على نزعات تشاؤمية حذرة فإنها تؤدي إلى تحديد حجم إنتاج كلّي غير كافي لكي يتم تشغيل كل اليد العاملة الموجودة، و بذلك فإن نقص الطلّب الفعلي أي التوقعات الضعيفة للطّلب الكلّي تؤدي إلى البطالة المزمنة.
لكن هذا التصّور يتعارض مع قانون المنافذ ل "ج. ب.ساي"، بحيث أن كل منتوج معروض يجد منفذا خاصا به و بذلك فإن العرض ينشئ طلبه و يرفعه إلى مستواه، و تزايد العرض يضمن إمتصاصه دائما من قبل تزايد الطّلب فلا يوجد فائض في الإنتاج و لا بطالة،  و إذا ظهرت هذه الأخيرة  فإن إنخفاض الأجور يؤدي إلى إنخفاض تكاليف الإنتاج، ممّا يسمح بإتساع العرض و الطّلب وفق سعر منخفض.
غير أن هذا الطّرح لا يتوافق مع طرح "ج. م. كينز"  حيث لا يعتّد بالعرض و إنما العامل المحرك هو الطّلب،  وعليه فإن الطّلب المتوقع من طرف المنظّمين هو الذي يحرّك آليات الإنتاج و خاصة التوليف بين عوامل الإنتاج: كمية رأس المال من جهة و كمية اليد العاملة من جهة أخرى (حجم التشغيل )،  لكن قد توجد حالة إنكماش الطّلب الفعلي، نظرا لأن المنّظمين توقعوا عدم قدرة الطّلب الكلّي على إمتصاص كل حجم الإنتاج.
و يمكن تفسير تقلص الطّلب هذا عن طريق وظائف النقود بحيث لا تعتبر هذه الأخيرة مجرد وسيلة للتبادل،  بل لها دور فاعل يتمثل في كونها مخزن للقيمة و عليه فإن للأفراد ميل نحو الإحتفاظ بالسّيولة النقدية لأسباب ثلاثة و هي:  تحقيق المعاملات، الحيطة و الحذر، وإمكانية المضاربة،  فقانون المنافذ تجاهل هذه الوظيفة و بذلك فإن المبالغ الموزّعة على عوامل الإنتاج من طرف المقاولين لا تستعمل كلّها للحصول على السّلع و الخدمات المنتجة، لأن جزء منها يحتفظ به للحفاظ على القيمة وفقا للأسباب المذكورة أعلاه.
كذلك فإن هذه المبالغ الموزّعة لا تستعمل لشراء السّلع الإستهلالكية فقط،  فجزء منها يدخّر ليستعمل في شراء السّلع الإستثمارية، و يبقى جزء يوضع كإحتياط أي يكتنز و يسمّى الإدّخار المفرط l'épargne excessive، و الذي يقوم بتقليص الطّلب الكلّي عن طريق تخفيض الإنفاق الكلّي أي الإنفاق الإستهلاكي و الإنفاق الإستثماري و بما أن المقاولين يعرفون أن المبالغ التي قاموا بتوزيعها لا يعاد إستعمالها نتيجة الإدّخار المفرط ، فإنهم يقومون بإعداد توقعات طلب غير كافية، لتبرير التّشغيل الجزئي لليدّ العاملة.
فضمن التّصور التقليدي فإن كلّ ما يدّخر يستهلك لاحقا من قبل المدّخر نفسه أو من قبل المنظّم و سعر الفائدة هو الذي يعدّل العرض و الطّلب على الإدّخار،  أمّا ضمن هذا التصوّر فإن الإدّخار يؤدي مباشرة إلى إنخفاض الطّلب دون و جود و بالضرورة لتعويض لاحق،  فلماذا قد لا يحدث هذا التعويض؟   فهذه النقطة تعتبر أساسية لفهم الإجراءات التي يجب تبنيها.
إنّ الإستعمال العادي للإدّخار يتمثل في شراء السّلع الإنتاجية أي الإستثمار، غير أن المقاول هو الذي يقوم بالإستثمار بإقتراض الإدّخار المكّون من قبل المدخّرين و بذلك فإن هذا الأخير أي الإدّخار لا يستهلك إلا عند تحقيق حجم إستثمار كافي لإمتصاصه، و هذا ليس معناه أن المساواة تتحقق بصفة عفوية و بالضرورة بين حجم الإدّخار و حجم الإستثمار ويردّ ذلك إلى وجود إتجاه قوي نحو الإدّخار في بادئ الأمر، و في المقابل هناك طلب غير كافي أو لا ينمو بشكل كافي ليحفّز تزايد الإستثمار، ممّا يؤدي إلى القول أنّ الإستثمار لا يمتص كل الإدّخار المتّاح نتيجة الطّلب الفعلي الضّعيف. و بذلك فإن الطّلب الكلّي أي الطّلب الإستهلاكي مضافا إليه الطّلب الإستثماري  يوجد في حالة قصور أو إنكماش مزمنة تبرّر إنتشار التّشغيل الجزئي.
ب - الحلّ المبدئي: زيادة الطّلب الكلّي :
بما أن سبب التّشغيل الجزئي يكّمن في عدم كفاية الطّلب الكلّي، فإن الحلّ يتمّثل في زيادة هذا الأخير و من ناحية كل عنصر من العنصران المكونان له:  فطلب الإستهلاك و طلب الإستثمار لا يستجيبان لنفس طريقة الزّيادة و حسب قانون الإستهلاك" لكينز"  فإن ميل الإستهلاك أي الجزء من الدّخل الذي يستهلكه مجتمع ما يعتبر في الواقع ثابتا( )،  حيث بارتفاع الدّخل فإننا لا نستهلك إلا جزءا منه يبقى نفسه دائما و الباقي يدّخر، كذلك فإن عند إرتفاع الّدخل فإن النّفقات الإستهلاكية ترتفع، لكن بمبلغ أقل و بصيغة أخرى فإن الإدّخار يتراكم لأن الإنفاق الإستهلاكي لا يمتص كل تزايد الدّخل لذلك يعتبر من الصّعب البحث عن تزايد الطّلب الكلّي من جهة الإنفاق الإستهلاكي و هو ليس بالأمر المستحيل لكن يعتبر ضعيف التأثير، لذلك يجب الإتجاه نحو الإنفاق الإستثماري لزيادة الطّلب الكلّي، فإذا تمكّن الإستثمار من  إمتصاص كل الإدّخار المكّون، فإنه يمكن الوصول إلى رفع مستوى الإنتاج،  التشغيل و الدّخل، و يتحدّد الطّلب الإستثماري بدلالة المزايا التي يحصل عليها المقاولون جراء عملية الإستثمار أي أن مردودية رأس المال موضوع التكوين تكون أكبر من تكلفته حيث المردودية يعبّر عنها بالفعالية الحدّية لرأس المال و التّكلفة يعبّر عنها بسعر الفائدة، فكلما كان معّدل الفعالية الحدّية لرأس المال مرتفعا مقارنة بمعدل الفائدة،  فإن رغبة الإستثمار تكبر عند المقاول، و تساوي المعّدلين يؤدي إلى زوال الرّغبة و بذلك توقف الإستثمار،  أمّا إذا كانت توقعات المقاولين متشائمة أي توقع  طلب ضعيف و مردودية ضعيفة لرأس المال،  فإن معدل الفعّالية الهامشية لرأس المال يكون منخفضا و بذلك فإن حجم الإستثمار يبلغ بسرعة حده الأقصى بحيث يجب البحث عن وسيلة لرفع النّفقات الإستثمارية  الكلية فوق مستوى توقف الإستثمار الخاص وهذا للحفاظ على حجم معتبر من الإنفاق الكلّي، و تتمثل هذه الوسيلة الرئيسية و ليست الوحيدة  في الإستثمار العمومي.
فسيٌاسة التّشغيل الكامل ترمي إلي إحداث تزايد في الإستهلاك و الإستثمار الكلّيين و سوف نتعرض الآن إلى الوسائل بالتركيز خاصة على الوسائل الجبائية.
2- وسائل زيادة الطّلب الكلّي:
بحيث يمكن زيادة الطلب الكلّي برفع مستوى الإستهلاك أو بزيادة  حجم الإنفاق العمومي.
أ - رفع مستوى الإستهلاك عن طريق الإقتطاع الجبائي:
يمكن رفع مستوى الإستهلاك الخاص بإستعمال الإقتطاع الجبائي من خلال محاربة الإتجاه المفرط نحو تكوين الإدّخار العقيم، حيث نميّز بين نوعين من مخططات العمل:  الأوّل ضّد الإدّخار المفرط و الآخر ضد اللاّمساواة في الوضعية خاصة و أن هذه الأخيرة تحدّ من إمكانيات الإستهلاك عند بعض الفئات من الأفراد.
محاربة الإدّخار المفرط : يمكن للإقتطاع الجبائي أن يؤدي إلى تزايد الإستهلاك بالحدّ من تكوين الإدّخار المفرط، فهذا التصّور أتى على نقيض الأفكار التقليدية التي توصي بتكوين الإدّخار، و هو ما يمكن تفسيره بمناخ الإنكماش و الرّكود الذي ساد قبل إستحداث نظرية التّشغيل الكلّي،  حيث تمّ تحميل الظاهرة الإنكماشية على تراكم الإدّخار،  و الواقع ليس الإدّخار في حدّ ذاته هو المسؤول و لكن الإتجاه المبالغ فيه و المفرط نحو الإدّخار هو الذي أدّى إلى قصور الإستهلاك.
فقد أثبت السّلوك الفردي أنّ حصّة الدّخل الموجهة نحو الإدّخار ترتفع كلّما كان الدّخل مرتفعا و بذلك فإننا نطلب من الإقتطاع الجبائي التّصاعدي أن يشّكل خطرا على المبالغ التي توجد في أعلى سلم المداخيل بهدف تحفيز الأفراد على إنفاقها و يمكن تطبيق تخفيضات في حالات الإستعمال ذات المنفعة الضرورية لهذه المبالغ، و بهذا فإننا نتجه نحو زيادة حصّة الإقتطاعات الجبائية المباشرة ضمن المبلغ الكلّي للإيرادات الجبائية، ممّا يؤدّي إلى التّخفيض من حصّة الإقتطاعات الجبائية غير المباشرة بإعفاء الإنفاق الإستهلاكي قصد تحفيز إرتفاعه.
كذلك فإن الإدّخار المفرط لا يعتبر حكرا على الأفراد فقط، فهو يظهر بوضوح عند المؤسسات، ممّا يستوجب إخضاع الأرباح غير الموزعة لأن مبرّر تكوين الإحتياطات يخضع المساهمين لإدخار إجباري يضيّق  إستهلاكهم .
وتجدر الملاحظة أن الإجراء التصحيحي للإقتطاع الجبائي هو ذو إستعمال صعب وحذر، ولا سّيما إذا ما تعلق الأمر بتحديد حصة الدّخل التي تشكل إدخار مفرطا، كما يعتبر أيضا من الصّعب تحديد مستوى الإحتياطات المفرطة عند المؤسسات، وعليه فإن الإستعمال السيئ لهذه السّياسة قد يؤدي إلى عكس الهدف المسّطر بإحداث تبذير المداخيل وعرقلة إمكانيات التمويل الذاتي بالإضافة إلى تشجيع  مظاهر الغّش الجبائي
التّخفيف من اللاّمساواة في توزيع المداخيل: يمكن تشجيع الإستهلاك أيضا  بإجراءات تعتبر بالتمييز بين الطبقات المدّخرة و الطبقات المنفقة، فالأولى تستطيع الإدّخار نظرا لإستفادتها من مداخيل مرتفعة، أمّا الثانية فتنفق كلّ مداخيلها الضعيفة دون تلبية كلّ حاجاتها، ممّا يتطلب تدخل الإقتطاع الجبائي لتحقيق إقتطاعات  من مداخيل الفئة الأولى و تحويل ناتجها نحو الفئة الثانية و بذلك فإننا نطبق عملية إعادة توزيع ذات أثر مزدوج:  تحقيق العدالة الإجتماعية بالقضاء على اللاّمساواة في الوضعية و تحفيز تزايد الاستهلاك.
و عملية إعادة التوزيع هاته التي سوف نتعرض لها بالدراسة الدّقيقة لاحقا تأخذ شكلين أساسيين و هما الشّكل الحقيقي المتمثل في المصالح العمومية التي تقدّم سلع و خدمات بأقل التكاليف أو مجانا و النفقة يتم تمويلها بواسطة الإقتطاع من المداخيل المرتفعة، أمّا الشّكل الثاني فهو يتمثل في الشّكل النّقدي كتقديم المنح و العلاوات ....إلخ، و يفترض هذا النّظام أن يكون هناك فعلا إدخار عقيم يؤدي إلي إنكماش الطّلب و كذلك يجب التأكّد من أن تلبية الحاجات الإستثمارية قد تمت بصفة محكمة.
ب- زيادة الإنفاق الكلّي عن طريق التعويض:
قد يحدث و أن لا يؤدي الإقتطاع الجبائي إلى توسيع الإستهلاك و حتى و إن حصلنا على آثار معتبرة من خلاله فإن النّفقة تكون موضوع لتقّبات ناتجة عن تغيّرات الدّخل الوطني و بذلك يكون النّظام الجبائي مطالبا بتحقيق مهمة مزدوجة:  زيادة مستوى الإنفاق الكلّي عن طريق الإنفاق العمومي و الذي بإضافته إلى الإنفاق الخاص يؤدي إلى الحصول على حجم معتبر من الطّلب الكلّي الموجّه نحو تدعيم التشغيل الكلّي هذا من جهة، و من جهة أخرى تغيير الإنفاق العمومي في الإتجاه المعاكس لتغيّرات الإنفاق الخاص، بشكل يسمح بالحفاظ عن طريق التعويض على حجم الإنفاق الكلّي الذي يؤدي إلى التّشغيل الكامل، و بذلك تكون السّلطات العمومية مطالبة ببذل سلسلة من المصروفات أو المدفوعات تمثّل إما إنفاقا مباشرا  أي تقوم به الدّولة بنفسها أو إنفاقا غير مباشر أي يقوم به الأفراد بواسطة الأموال الممنوحة من قبل الدّولة.
و هذه المصروفات لها طابع مكمّل بحيث تنفق عند ملاحظة نقص الإنفاق الخاص و كذلك تتوفر فيها الخاصية التعويضية لأنها ترتفع عند إنخفاض الإنفاق الخاص و العكس، أمّا تمويلها فلا يطرح مشاكل خاصة إذا تمّ تعبئة الإقتطاعات الجبائية المّرنة، ممّا يسمح بالحصول على الحجم اللاّزم من  الإيرادات الجبائية
ج- الإصدار النّقدي غير التضخمي:
إلى أي حدّ يمكن اللّجوء إلى الإصدار النقدي لضمان التّشغيل الكامل دون إحداث الضّغط التضخّمي؟ فهذا التساؤل يعتبر أساسيا نظرا لأن الإجابة التي يمكن أن تعطي له تحدّد درجة السّهولة في تطبيق سياسة التّشغيل الكامل فالأمر لا يتعلق بتمويل عجز الموازنة،  و إنّما تمويل الجهد الإنتاجي الإضافي عن طريق الهيئات العمومية المختصة و كذا النّظام المصرفي مدعما ببنك الإصدار طبعا.
فالإصدار النّقدي ضمن هذا السّياق لا يؤدي إلى وضعية تضخّمية،  و إنّما يؤدي إلي توسّع نقدي أي توسع مترافق بين وسائل الدّفع و كتلة السّلع و الخدمات الموجودة و بذلك يتم الحفاظ على توازن الأسعار أو على الأقل يكون إرتفاعها طفيفا. غير أن حجم التّشغيل سوف يرتفع و بإصدارها للنقود فإن السّلطات العمومية ستقدم على إنشاء إنفاق إضافي يعادل الزيادة في الطّلب الكلّي على
السّلع الإستثمارية و السّلع الإستهلاكية،  لكن هذه الزيادة لا تؤدي إلى إختلال ما، لأن العرض سوف يتزايد ليلبي الطّلب عن طريق تعبئة عوامل الإنتاج غير المستعملة و لا سّيما اليدّ العاملة،  و هذا ما يقف كحاجز أمام الظّاهرة التضخّمية.
و تجدر الملاحظة أنه يجب على السّلطات العمومية أن تحجم على ضخّ كمّية مرتفعة من النقود، لأنه عند بلوغ مستوى التّشغيل الكامل فإن الإصدار المستمر الذي يفوق هذا المستوى سوف يؤدي إلى ظهور الظّاهرة التضخّمية،  كما يجب أيضا مراقبة كمية النقود الأصلية المكتنزة و التي وضعت في التداول حتى لا تفوق الاحتياجات( )، ممّا يؤدي إلى تسريع الوصول إلى التّشغيل الكامل مقارنة بما كان متوقعا و بذلك إحداث التضخّم.
و نظرا للصعوبة في تحديد كمّية الإصدار النقدي اللاّزمة لبلوغ مستوى التّشغيل الكامل إضافة إلى الصعوبة في مراقبة تداول كمّية النقود المكتنزة،  فإن الإقتطاع الجبائي يعتبر وسيلة فعّالة لتأطير كلّ إنحراف و تصحيحه نتيجة لتطبيق هذا النّوع من التدابير الإنمائية للطّلب التي تحفّز التّشغيل الكامل.
المطلب الثاني : سّياسة تصحيح اللاٌمساواة في المداخيل.
إنٌ توزيع الدّخل الوطني عن طريق الآلية العفوية لسّوق السّلع و الخدمات تؤدي إلى الّلامساواة في الوضعية التي تجسد الفوارق الإجتماعية  و عندما تأخذ هذه الأخيرة أبعادا هامة، حيث تضع الفئات ذات الدّخل الضعيف في نطاق لا يتطابق مع الكرامة الإنسانية،  فإنه يتحتم على السّلطات العمومية إيجاد الوسائل لتصحيح هذه  الّلامساواة، و ذلك إنطلاقا من فكرة بسيطة مفادها أن عوائد رأس المال و المؤسسة ( المقاول  أو المنظّم ) هي عوائد مرتفعة و مضمونه التّحصيل،  أما عوائد العمل هي عوائد ضعيفة و غير منتظمة في معظمها، و ذلك بإستثناء الأجور العالية التي تندرج ضمن الأنظمة الخاصة للأجور،  و بما أن فئة الأجراء في المجتمع هي فئة واسعة فمن الطبيعي أن تنشغل السّلطات العمومية بتحقيق العدالة الإجتماعية عن طريق القضاء على الفوارق الإجتماعية بإستعمال السّياسة الجبائية، و هكذا نشأت سياسة إعادة التوزيع للمداخيل حيث الهدف هو تصحيح الإختلالات الناتجة عن عملية التوّزيع الأولي. و في هذه المرحلة من دراستنا سوف نحاول التطرق لآليات هذه السّياسة التصحيحية مع الإشارة إلى  أنه يتّم  إستعمال جزء من النفقات العمومية ضمن مخطط إعادة التوّزيع الذي يتّم إعداده بالنسبة للمداخيل الموزّعة في القطاع العمومي و القطاع الخاص معا.
و عليه فإن الإقتطاع الجبائي من المداخيل الإسمية يمكن أن يكون وفق مبدأ التّمييز أي الإخضاع المكثّف لبعضها و الإخضاع الضعيف للبعض الأخر، لذلك فإن التّفرقة من حيث أهمية الإقتطاع تعتبر في حدّ  ذاتها المرحلة الأولى من مخطط إعادة التوزيع.
كذلك فإن تلبية الحاجات العمومية يمنح للأفراد سلسلة من الامتيازات المجّانية أو بتكلفة قليلة و هو ما يعتبر زيادة في مداخيلهم الحقيقية و على هذا الأساس فإن عملية إعادة التوزيع تكون من خلال مستويين:  على مستوى المداخيل الإسمية و على مستوى المداخيل الحقيقية.
1- إعادة التّوزيع من خلال المداخيل الإسمية :
يمارس الإقتطاع الجبائي تأثيرا عفويا على توزيع المداخيل وبذلك يمكن إستعماله لأغراض اجتماعية مما يعطيه مجالا أكثر إمتدادا بحيث أنه يستعمل للإقتطاع من المداخيل غير الموزّعة توزيعا عادلا في مرحلة أولى، ثم يستعمل في مرحلة ثانية لتحقيق بعض النّفقات في إطار عملية إعادة التوّزيع المباشرة و على هذا الأساس فإننا نحصل على تأثير مزدوج عن طريق الإقتطاع ثم عن طريق إعادة توزيع القيّم النّقدية.
هذا بصفة عامة المخطط الذي سوف نحاول تحديد آفاقه، لكن قد نتساءل فيما إذا لم يكن هذا المخطط موضوعا لتعديلات نتيجة الطابع الحركي أو الديناميكي للنّشاط الإقتصادي سوءا كان ذلك في فترة قصيرة أو في فترة طويلة .
و عليه سوف نقوم بدراسة الكيفية التي تتّم بها عملية التّصحيح،  من خلال الإقتطاع الجبائي في حدّ ذاته ثم من خلال إعادة التوزيع و ذلك بالتمييز بين شبه إعادة التوزيع و إعادة التوزيع التّصحيحي.
أ - التّصحيح عن طريق الإقتطاع الجبائي التّمييزي :
يعتبر الإقتطاع الجبائي الوسيلة العادية التي تسمح بتحقيق المساواة للمداخيل في مرحلة أولى، فالإقتطاع الجبائي غير المباشر يجهل أصل الدّخل موضوع الإخضاع نظرا لطبيعته، و بذلك فهو لا يسمح بالتأثير الدقيق للسّياسة الجبائية، غير أن الإقتطاع الجبائي المباشر يخضع مداخيل رأس المال، العمل و المداخيل المختلطة، ممّا يؤدي إلى التمييز في عملية الإقتطاع من المداخيل بصفة عامة و هو ما يسمح بممارسة تأثير دقيق للسّياسة الجبائية من خلال التمييز بين فئات الدّخل.
الإقتطاع الجبائي من رأس المال و مداخيله: إنٌ الإقتطاع الجبائي من رأس المال يمكن أن يخضع رأس المال في حدّ ذاته أو يخضع المداخيل الناتجة عن توظيف رؤوس الأموال، فالإقتطاع الجبائي على رأس المال قد يأخذ أحيانا خاصية دائمة  كالحقوق على التّركة و هو إقتطاع ثقيل ذو معدّل تصاعدي عادة، لأن المشرّع يعتبر أن الحّصول على الثروة دون نشاط مباشر من قبل مالكها يرخّص بأعلى الإقتطاعات، و عليه فإن الإقتطاع من التّركة يمنع تراكم الثروة من جيل إلى آخر واضعا بذلك حاجزا أمام تركزّ الثروات، في حين يعتبر عاملا غير مباشر لتحقيق المساواة و ذلك من خلال الحدّ من التباين الواسع في المداخيل،  كما يأخذ الإقتطاع على رأس المال خاصية مؤقتة كالضريبة على الثروة أو ضريبة التضامن الوطني و الذي يظهر أثناء فترات العسر المالي متصدّيا بذلك للتّراكم السّريع لرؤوس الأموال و معيقا لتكوين ثروات جديدة.
و فيما يتعلق بالإقتطاع الجبائي من مداخيل رأس المال فإنه يتمثّل ضمن النّظام الجبائي الجزائري في إخضاع مداخيل القيّم المنقولة( )، و كذا إخضاع مداخيل الممتلكات العقارية المبنية و غير المبنية .
وفي العموم فإن إخضاع رأس المال يتجّه عادة نحو التشدّد و هو الأمر الذي يتطّلب من السّلطات العمومية تحقيق التوافق بين العدالة الإجتماعية التي تحبذ الإخضاع الثّقيل لرأس المال و المداخيل التي ينتجها دون عمل من جهة و قيود ضمان إعادة تكوين و تجديد رأس المال من جهة أخرى.
الإقتطاع الجبائي من مداخيل العمل: و يتمثّل هذا الإقتطاع أساسا في الضريبة على الرّواتب و الأجور و الذي يفترض أن تكون معدّلات الإقتطاع التصاعدية ضعيفة نسبيا، بالإضافة إلى إستحداث نظام للتخفيضات من قاعدة الإخضاع يستثني حصة الرّواتب أو الأجور التي تطابق النّفقات  الضّرورية للفرد و أعبائه العائلية.
وما يمكن ملاحظته في هذا السّياق، هو أنّ الضّريبة على الدّخل الإجمالي لفئة الرّواتب و الأجور تضمن تحصيل إيرادات معتبرة مقارنة بالفئات الأخرى و يرجع هذا لكيفية تحديد و تحصيل الإقتطاعات المتأتية من هذه الضريبة، بحيث أنّ صاحب العمل هو من يقوم بتحديدها و تحصيلها وفق طريقة الإقتطاع من المصدر التي تحدّ إمكانيات الغّش و التهرّب و المتوفرة لدى الفئات الأخرى من العناصر الجبائية و لعّل هذا الأمر يمسّ بمبدأ  التصريح الذي يتبناه النّظام الجبائي الجزائري.
الإقتطاع الجبائي من المداخيل المختلطة : نقصد بالمداخيل المختلطة تلك المداخيل الناتجة عن طريق توظيف رأس المال و العمل معا و التي تأخذ شكل الأرباح الصناعية و التجارية، الأرباح  الزّراعية و أرباح  المهّن الحرّة، و إخضاعها  يكون ضمن ظروف جدّ متغيّرة، نظرا لوجودها في وضع متوسط مقارنة بالمداخيل التي نريد تخفيضها، و المداخيل التي نريد زيادتها . و بذلك فإن نسب إقتطاعها تكون أقل من تلك المطبّقة على مداخيل رأس المال و تكون أكبر من تلك المطبّقة على مداخيل العمل. كما أن معاملة المداخيل الصناعية و التجارية جبائيا تكون مشدّدة مقارنة بالمداخيل الزّراعية.
الإقتطاع الجبائي المتراكب Le prélèvement fiscal de superposition  : الإقتطاع الجبائي المتراكب من نوع الضريبة التكميلية على الدّخل الملغاة سنة 1991 أو الضّريبة على الدّخل الإجمالي السّارية المفعول حاليا،  تخضع مجموع مداخيل العنصر الجبائي مهما كان مصدرها،  حيث رغبة المشرّع في تحقيق المساواة تتجسّد من خلال شخصـنة أكثر إمتدادا و تصاعدية أكثر وضوحا، وبذلك فإن المداخيل المرتفعة تكون بالتناسب أثقل إخضاعا مقارنة بالمداخيل الضعيفة، و بما أن المداخيل المرتفعة  هي عادة مداخيل رأس المال ومداخيل مختلطة فإننا نشهد من جديد معاملة جبائية خاصة  لمداخيل العمل.
وممّا سبق نستنتج أن الإتجاه العام نحو تحقيق المساواة في المداخيل عن طريق الإقتطاع الجبائي يتميّز بإخضاع مكثّف لرأس المال و لمداخيل رأس المال، و إخضاع ضعيف لعنصر العمل، غير أن الإقتطاع الجبائي غير المباشر الذي يخضع الإنفاق الضروري يؤدي إلى معاقبة المداخيل الضعيفة أي مداخيل العمل، وهو ما يسير عكس هذا الإتجاه، خاصة إذا كان الإقتطاع الجبائي غير المباشر يأخذ حصّة معتبرة  ضمن الإيرادات الجبائية الكلّية، وعليه فإن الإقتطاع الجبائي يؤثر بالتّمييز لتعديل عملية توزيع المداخيل التي حدّدتها الآليات الإقتصادية، كذلك  فإن تغيير الإقتطاع حسب أهمية المداخيل المحقّقة عن طريق التصاعدية يزيد من حدّة التّمييز حسب طبيعة الدّخل أو مصدره.
وبما أن عملية إعادة توزيع الناتج الجبائي تكون وفق نسب متباينة مقارنة بتلك التي تطبع الإقتطاع فإنها تأتي لتدعم التأثير الذي تمارسه الإيرادات، بإعتبارها تأخذ شكل النّفقات.
ب- التصحيح عن طريق النّفقة :
حيث يتمّ إتمام الإتجاه نحو تحقّيق المساواة بعملية إعادة توزيع عن طريق إنفاق الناتج الجبائي، غير أنّه يجب التّفرقة بين مظهرين وهما: شبه إعادة التوزيع وإعادة التوزيع التّصحيحي ، فهذا المظهر الأخير هو الوحيد الذي يهدف إلى تحقيق المساواة.

شبه إعادة التّوزيع : وهو إعادة التّوزيع عن طريق إستعمال مجموع النّفقات العمومية، وبذلك يعاد توزيع مجموع الإقتطاعات الجبائية المباشرة وغير المباشرة  التي تم تحصيلها، وهو الأمر الذي يؤدي إلى تغيير التوزيع العفوي للدّخل الكلّي بين دخل العمل، دخل رأس المال والدّخل المختلط،  نظرا لأنّ النّفقات لا تتوزع بين هذه الفئات الثلاث حسب نسب متطابقة مع تلك التي سادت الإقتطاع الجبائي.  وعليه فإن هناك عملية  إعادة توزيع الدّخل الكلّي بين فئات الدّخل السّابقة، لكن الأمر يتعلق من وجهة نظر تغيير الظروف الإجتماعية الفردية بشبه إعادة التوزيع، بحيث لا يتّم البحث عن تصحيح الّلامساواة بصفة نظامية، وممّا لاشك فيه هو أن هذا التصحيح موجود ضمن المجموع وهو ما يتطلب تمييزه،  لذا  فإننا نحتفظ بخاصية  تعديل توزيع الدّخل الكلّي لعملية شبه إعادة التوزيع وذلك بين فئات الدّخل دون مواصلة تصحيح المداخيل الفردية بصفة خاصة، فكيف تجري هذه العملية؟
إنٌ إعداد مقارنة بين فئات الدّخل التي تتحمل الإقتطاع الجبائي وتلك المستفيدة من عملية إعادة التوزيع  هو أمر نسبي بسبب التحفّظات القائمة، غير أن تصنيف النّفقات ضمن الموازنة العمومية يسمح بتحديد وبشكل دقيق شبه إعادة التوزيع المكوّن لمداخيل رأس المال، العمل والمداخيل المختلطة.
فنسبة إعادة التوزيع لصالح رأس المال تكون أساسا عن طريق عبء الدّين العمومي أي دفع فوائد الدّيون وبالنسبة للمداخيل المختلطة فتكون على شكل نفقات المعدّات والأشغال العمومية أمّا فيما يتعلق بشبه إعادة التوزيع لصالح مداخيل العمل فإن العملية جدّ معقدة، بحيث تتمثل بالدّرجة الأولى في دفع الرّواتب والأجور وبدرجة ثانية في دفع مبالغ للأشخاص المتعرضّين لأخطار إجتماعية تريد السّلطات العمومية حمايتهم كالمتقاعدين، ذوي الحقوق وفئة الفقراء.
إعادة التوّزيع التصحيحي : تعتبر عملية إعادة التوزيع التصحيحي من وجهة نظر الإتجاه نحو تحقيق المساواة في الأوضاع الإجتماعية، العملية الحقيقية الوحيدة لإعادة التوزيع وهي تحمّّل على جزء فقط من النّفقات العمومية( )بحيث تكون محتواة ضمن عملية شبه إعادة التوزيع ممّا يتطلب فصلها.
وعليه يجب أن نعتبر كما سبق الإشارة إليه أن الإقتصاد العمومي بحصوله على السّلع والخدمات التي تضمن تلبية الحاجات العمومية فإنه يدفع مداخيل ما هي إلا تكاليف عوامل الإنتاج المستعملة، بحيث تعتبر العوائد الناتجة المقابل العادي  للمساهمة في عملية الإنتاج، أمّا النّفقات المطابقة فإنها تساهم في عملية شبه إعادة التوزيع بين فئات الدّخل (العمل، رأس المال، المختلط )، لكنّها لا تساهم في عملية إعادة التوزيع التّصحيحي التي تهدف إلى تصحيح الفوارق الناتجة عن السّير العفوي للآليات الإقتصادية.  ونفقات إعادة التوزيع الحقيقية (من وجهة النّظر الإجتماعية) هي تلك التي لا تمثل مقابلا مباشرا لنشاط أو لخدمة منتجة وإنّما منح إمتيازات موجّهة نحو تعويض الّلامساواة العفوية في عوائد النّشاطات والخدمات المنتجة سواء كان مصدر هذه العوائد من القطاع العمومي أم من القطاع الخاص.
وعادة ما تكون هذه النّفقات في شكل تحويلات وهي تحتوي على خدمات الدّيون العمومية، التحويلات الإجتماعية كالمنح، الحماية و المساعدة الإجتماعية، إعانات الضمان الإجتماعي، وكذا تحويلات رأس المال كإهتلاك الدّين العمومي،  تعويض الخسائر المختلفة وإعانات الإستثمار فهذه النّفقات هي الوحيدة القادرة على إحداث إعادة توزيع المداخيل عن طريق زيادة حّصة الدّخل المتاح لدى المستفيدين وهي زيادة مستقلّة عن الخدمات المقدمة للنّشاط الإنتاجي، لكن هذه الإمتيازات تؤدي إلى إتساع حجم الإمتيازات الحقيقية وقبل التطرق لهذا الموضوع، ينبغي تحليل الآثار  الناتجة عن تغيرات النّشاط الإقتصادي.
ج - التعديلات الطارئة على عملية التصحيح بسبب حالة النٌشاط الإقتصادي :
إنٌ التعديلات الطارئة على التوجهات العامة الناتجة عن الإقتطاع الجبائي أو عن شبه إعادة التوزيع و التوزيع التصحيحي يختلف بحسب إختلاف مدّة الدورة و هو الأمر الذي يستدعي التّفرقة بين الدّورة القصيرة و الدّورة الطويلة.
التعديلات خلال دورة قصيرة : حيث تكون عملية إعادة التّوزيع أثناء فترة الازدهار معطلة نسبيا، فإرتفاع الأجور و إعداد وضعية التّشغيل الكامل يؤدي إلى إرتفاع المساهمة الجبائية لمداخيل العمل ضمن الموازنة العامة، وفي المقابل يسجّل إنخفاض في الأعباء الإجتماعية، و عليه فإن عنصر العمل يعطي الكثير و يحصل على القليل.
أمٌا أثناء فترة الإنكماش أو الرّكود فإن عمل آلية إعادة التوّزيع يتزايد و يتضاعف بحيث أن إنخفاض الأجور و تقلصّ الكتلة الأجرية يؤدي إلى ضعف مردود الإقتطاع الجبائي من الأجور في حين يبقي مردود الإقتطاع الذي يخضع رأس المال ثابتا وفي مقابل هذا فإن النّفقات الإجتماعية للدّولة ترتفع نتيجة مساعدات البطالة، تطبيق سياسة الإنجازات الكبرى ...إلخ، و عليه فإن عنصر العمل يعطي القليل و يحصل على الكثير.
التعديلات خلال دورة طويلة: إذا لاحظنا التطورات خلال دورة طويلة فإننا ندرك أن حصّة الدّولة ضمن مخطط إعادة التوزيع هي جدّ معتبرة،  بشرط أن يكون لها تأثير يسير في نفس إتجاه تأثير التطور الإقتصادي ذو الخاصية الطبيعية، بحيث يتميّز هذا الأخير بظواهر التركز.Phénomènes de concentration  التي تسرّع بإختفاء الطبقات المتوسطة و تزيد في حدّة النزوح الرّيفي، كذلك فإن عدد الأجراء يتزايد( )، ممّا يؤدي إلى زيادة حجم الكتلة الأجرية ضمن هيكل الدّخل الوطني.
و مما لاشك فيه هو أن هذا الوضع يؤدي إلى وجود تأثير تمارسه المالية العمومية في المدى الطويل يسير في نفس إتجاه تأثير التطور الإقتصادي الطبيعي، كما سبق ذكره و المتمثّل في تدعيم و تقوية مداخيل العمل، بحيث أن أهمية تأثير الموازنة و تحقيق مساواة المداخيل تزداد أكثر فأكثر، و هو ما يتطابق مع التطور الإقتصادي الطبيعي، و يتطّلب تحليل التأثير الممارس على المداخيل الحقيقية.
2 - إعادة التوزيع من خلال المداخيل الحقيقية:
إنٌ موازنة الدّولة تمارس تأثيرا على المداخيل الحقيقية في حالة ما إذا أحدثت تعديلات على المستوى العام للأسعار، حيث يجب التمييز بين تأثير موازنة ممولة بواسطة الإقتطاع الجبائي، و تأثير موازنة ممولة عن طريق الإصدار النقدي.
أ - تحقيق المساواة في المداخيل الحقيقية عن طريق موازنة ممّولة بالإقتطاع الجبائي :
و يمكن تحقيق هذه المساواة حسب كيفيتين، إمٌا بالتوزيع المباشر للمنافع و إمٌا بالتأثير في مستوى الأسعار.
التوزيع المباشر للمنافع: تهدف الموازنة العادية الممّولة بواسطة الإقتطاع الجبائي إلى تلبية الحاجات الضرورية للمجتمع، ففي حالة بعض الأفراد الذين ليس لديهم إمكانيات نقدية خاصة لتلبية هذه الحاجات فإن الدولة تقوم بمواجهة هذه الأخيرة، و نظرا لأسباب تنظيمية و إقتصادية فإنها تقوم بتلبية هذه الحاجات بتوزيع الخدمات المجانية عوض منح مداخيل نقدية، مما يؤدي إلى زيادة حجم المنافع المتاحة لدى الأفراد، وهو ما يتأتى عن طريق الإنفاق، وعلى سبيل المثال فإن هذه المنافع تتمثّل في الخدمات الصّحية، النّظافة العمومية، الخدمات التربوية و الثقافية ....الخ.
التأثير من خلال الأسعار: و يكون هذا التأثير بتخفيض أو برفع مستوى الأسعار، ففي حالة التأثير بتخفيض مستوى الأسعار و دون التوجّه نحو إحلال النّظام المجاني كما هو الحال في التوزيع المباشر للمنافع، فإن السّلطات العمومية تستطيع زيادة الدّخل الحقيقي عند بعض الفئات الإجتماعية بتحمل جزء من تكلفة الإنتاج للسّلع و الخدمات، وبذلك فإن المقابل النّقدي المطلوب من المستفيد يكون أقل من ذلك المطلوب دون تدخل السّلطة العمومية، و يمكن أن نذكر على سبيل المثال دعم الدولة لقطاع السكك الحديدية و شركات النّقل البحري في التسعيرة، كما يمكن أن نذكر التجربة البريطانية في بناء السّكنات الإجتماعية من سنة 1929 إلى سنة 1936، حيث تمّ بناء حوالي 02 مليون وحدة سكنية بتمويل من الموازنة العمومية، و لم يتم بيع هذه السّكنات، كما لم يتم تأجيرها بالسّعر الجاري( )، فالإنفاق من هذا الشكل يجب اعتباره عملية إعادة توزيع ذات الأهمية القصوى خاصة في ظل تنامي الدّور الإجتماعي للدّولة ضمن نظام إقتصاد السّوق.
و عليه فإنه يتعيّن على الدّولة إيجاد الأموال اللاّزمة من خلال إستغلال قدرة الأداء الجبائية إستغلالا عقلانيا، بهدف ترقية الفئات ذات الدّخل المحدود في المجتمع بإعتبارها المستفيد من الخدمات الممنوحة.
فالدّخل الفردي يتزايد في حالة إنخفاض الإنفاق منه و نحصل على إرتفاع الدّخل الحقيقي من خلال تزايد حجم الإشباع و بأقل نفقة أو بأقل تكلفة.
كذلك فإن تأثير موازنة ممّولة بواسطة الإقتطاع الجبائي يمكن تصوره من حيث رفع مستوى الأسعار،  و في هذا السّياق  يمكن أن نذكر الحقوق الجمركية و التي بإخضاع بعض السّلع المستوردة فإنها تؤدي إلى إرتفاع أسعارها، و ظاهرة  تضامن الأسعار تؤدي إلى ارتفاع مستوى أسعار السّلع المحلية إلى مستوى أسعار السّلع المستوردة، و النتيجة أن تحصيل السّلطات العمومية لبعض الإيرادات الجبائية يؤدي في المقابل إلى إنخفاض الدّخل الحقيقي لمستهلكي هذه المنتوجات، و إذا أضفنا إلى هذا إحتفاظ المنتجين المحليين لهذه السّلع بنسبة أرباح مرتفعة مقارنة بالمنافسين الأجانب، فإن من شأن هذا أن يؤدي إلى زيادة مداخيلهم الحقيقية و هو ما يعتبر آلية حقيقية لإعادة التوزيع.


ب - تحقيق المساواة في المداخيل الحقيقية عن طريق موازنة ممولة بالإصدار النقدي:
يظهر تمويل الموازنة عن طريق الإصدار النّقدي كما نعلم أثناء الفترات المضطربة و الصّعبة حيث تتواجد حالة اللاّتوازن في الأسعار، و يضاف تأثير الموازنة لهذه الحالة بهدف تعديل توزيع  المداخيل، فهذه العملية تتأثر بصفة خاصة بالآثار التضخّمية و سياسة الإعانات الإقتصادية.
الآثار التضخّمية:  في سياق فرضية التأثير التضخّمي الناتج عن الإصدار النقدي فإن إرتفاع الأسعار يؤدي إلى تعديل المداخيل حسب مخطط سوف نقوم بتحديد معالمه.
فمداخيل رأس المال التي تعتبر مداخيل ثابتة قانونيا هي من ضحايا هذا الإرتفاع حيث الدّخل الحقيقي لأصحابها يتناقص، و هي حالة المداخيل الناتجة عن خدمات الدّيون و القروض، كذلك فإن مداخيل رأس المال تتعرض أيضا لخسارة أخرى بسبب الضّبط غير الكافي لها، و هي حالة الممتلكات العقارية حيث يتأخر الإيجار عن بلوغ مستوى الأسعار، كذلك أثناء فترة الاضطرابات النّقدية فإن مداخيل العمل تتحدّد عادة حسب إجراءات تنظيمية حيث يمكن تكييفها تحت ضغّط المنظمات العمّالية، لكن الأجور تتبع ببطء مستوى الأسعار و هو ما يؤدي إلى تقلص الدّخل الحقيقي للأجراء، أمّا المداخيل المختلطة فإنها تتبع بسهولة حركة الأسعار و قد تتجاوزها بسرعة أحيانا و هو ما يؤدي إلى تزايد الدّخل الحقيقي لأصحابها.
وممٌا سبق نستنتج أنٌ التضخّم يؤدي إلى تقليل و تقليص الدّخل الحقيقي للأمّة، وهو تأثير تتحمله مداخيل رأس المال ضمن جزء كبير و ضمن جزء أقل مداخيل العمل، كما لا تتحمّله المداخيل المختلطة و عليه فإن الطبقات المتوسطة تتحمّل أساسا تقلّص الدّخل الحقيقي، و يدخل ضمنها طبقة الأجراء وعندما يكون التضخّم قويا فإننا نشهد إنحدارا حقيقيا لبعض فئات الدّخل يتجاوز إمكانية تحقيق العدالة الإجتماعية عن طريق المساواة في المداخيل.
و نظرا لهذا الوضع فإنه يقع على عاتق السّلطات العمومية تصحيح الآثار التضخّمية، بحيث يمكن اللّجوء إلى توسيع قاعدة الإخضاع الجبائي، إضافة إلى رفع مستوى الضغّط الجبائي أي رفع نسب و معدلات الإقتطاع، وهو ما يندرج ضمن سياسة محاربة التضخّم، بالإضافة إلى إستعمال أدوات السّياسة النقدية هذا من ناحية الإيرادات، أمّا من ناحية النّفقات فيمكن اللّجوء إلى الإعانات الإقتصادية الممّولة بحصيلة الإقتطاعات الجبائية.

الإعانات الإقتصادية: الهدف من الإعانات الإقتصادية هو الحفاظ الشّكلي أو المصطنع على مستوى الأسعار تحت تكلفة الإنتاج ، وذلك بتغطية الفرق بمخصصات من الموازنة  وقد تمّ تبني هذه السّياسة بالنسبة للمواد ذات الإستهلاك الواسع والضروري كالخبز و الحليب  وهي تمثل حلاّ سهلا يسمح بالإفلات من الحلّ البديل المتمثل في رفع أسعار الإستهلاك أو تخفيض أسعار الإنتاج و في المدى القصير فإن آثار هذه السّياسة تتمثل في:
o الحفاظ على الدّخل الحقيقي للمستهلكين فوق المستوى الذي يجب أن يكون عليه أو الحفاظ على عدم إنخفاضه على الأقل.
o الحفاظ على الدّخل الحقيقي للمنتجين أو زيادته.

 كذلك يمكن التأثير على توزيع المداخيل في حالة ما إذا كانت فئتان من الدّخل(بعض المستهلكين وبعض المنتجين) مستقرتان عند مستوى مرتفع شكليا من الدّخل( ).
أمٌا في المدى الطويل، فإن تأثير الإعانات على عملية التوزيع له إنعكاسات خطيرة خاصة و أنّ لا توازن الموازنة كان موجودا من قبل و أن النّفقات الناتجة عن تقديم الإعانات لا يمكن تغطيتها إلا بالّلجوء من جديد إلى الإصدار النّقدي، ممّا يؤدي إلى ترسيخ الآثار السيئة عوض تصحيحها، و هذا عن طريق أثر التراكم الذي يهيئ ظروف اللاّتوازن المستقبلي، و بذلك فإنّنا نشهد إنخفاضا جديدا للدّخل الحقيقي للمجتمع الذي يمكن ترجمته على مستوى التوزيع بتقلص جديد للدّخل الحقيقي للضحايا المعتادين و التقليديين للظّاهرة التضخّمية و هم أصحاب رؤوس الأموال فالتقلص بهذا الشّكل يعتبر نهائيا، بحيث لا يتعلق الأمر بإنخفاض مؤقت للدّخل يمكن تداركه و إنما يتعداه إلى إنخفاض عميق و شبه كليّ لمصدر الدّخل في حدّ ذاته ( رأس المال) و هذا نظرا لعدم تدخل السّلطات العمومية بفتح آفاق تصحيحية لصالح هذه الفئة.
و عليه فإن تأثير الموازنة الممولة بالإصدار النّقدي على المداخيل الحقيقية يؤدي إلي إختلالات عميقة لهذه المداخيل،  نظرا لعدم وجود إمكانية المراقبة و التوجيه كما هو الحال بالنسبة للمداخيل الإسمية حيث نخرج من إطار الموازنة لنتواجد ضمن مخطط الإقتصاد العام.
هذا الطّرح يبيّن لنا مدى الصعوبة في تحقيق المساواة للمداخيل و هو أمر ممكن طالما نحن متواجدين في إطار موازنة ممولة بالإقتطاع الجبائي،  وهو ما يتطلب التسيير المحكم، لكن سلوك المداخيل الحقيقية في حالة التضخم لا يخضع لشروط تحقيق المساواة الإجتماعية العادلة.

و بعيدا عن قيادة التوازن الإجتماعي، فإنّ من شأن التضخّم أن يؤدي إلى مخاطر و خسائر معتبرة للمجتمع، و البحث عن تحسين الظروف الإجتماعية يجب أن يكون من خلال الإقتطاع الجبائي فقط حيث يمكن القيام بالتوزيع المباشر لمداخيل إسمية أو حقيقية و هذا مع الإمتناع عن إحداث أيّة تعديلات تهدف إلى رفع مستوى الأسعار.















خلاصة و استنتاجات الفصل السابع

تحتوي السّياسة الجبائية في مفهومها الواسع على إستعمال الإقتطاعات الجبائية و النّفقات العمومية، و كذا العمليات المرتبطة بالقرض العمومي بهدف التأثير في آليات سير النّشاط الإقتصادي بتعديلها أو بتصحيحها، بما يتماشى و الأهداف الإقتصادية و الإجتماعية المسّطرة و بذلك نكون بصدد الحديث عن الإندماج الإقتصادي للسّياسة الجبائية عن طريق التدّخل.
و للسّياسة الجبائية المتدخّلة مستويين و هما مستوي التدخّل الشّرطي و مستوي التدخّل الوظيفي، بحيث أن التدخّل الشّرطي ينصب على مهاجمة  الآثار السيئة الناتجة عن السّير العفوي للآليات الإقتصادية بتعويض اللاّتوازنات الإقتصادية بلا توازنات  جبائية في الإتجاه المعاكس، و هو ما نصطلح عليه بالتدخل التعويضي أو تعديل و تصحيح اللاّتوازنات الإقتصادية و هو ما نصطلح عليه بالتدّخل التصحيحي و في كلتا الحالتين يتّم إحترام الآليات السّابق ذكرها.
أمّا التدّخل الوظيفي فلا يكتفي بتعويض و تصحيح الآثار السيئة، و إنّما يتعدى ذلك ليدخل ضمن الآليات بهدف تغيير و تعديل سير عملها و بذلك فإن تأثيره يعتبر أكثر عمقا، حيث يتمّ إستعمال سياسة التّشغيل بهدف تعديل آلية الإستثمار، كما تستعمل سياسة تصحيح الّلامساواة في المداخيل بهدف تصحيح آلية التّوزيع الأولي للمداخيل.
و ما يمكن ملاحظته هو أن التدّخل في هذا السّياق يرمي إلى تغطية عجز و ضعف القطاع الإقتصادي الخاص بتدخّل القطاع الإقتصادي العمومي. كما يمكن أن تتظافر جهود هذين القطاعين ضمن مخطط عمل موحد بهدف تحقيق بعض الأهداف التي تتطلب التنسيق فيما بين هذه الجهود لتحقيقها و هو ما نصطلح عليه بالإندماج عن طريق الإنسجام، والذي سوف يكون موضوع الفصل القادم.