هـــــــــــــــــــــام جــــــــــــــــــــدا

مع التطور التكنولوجي ووجود الأنترنت فإنكم تملكون فرصة من ذهب لإدخال غير المسلمين إلى الإسلام كأصدقائك أو زملائك بكل سهولة، فقط بإرسال لهم الكتب التي تعرف بالإسلام وفضائله و هي موجودة بلغات كثيرة في الموقع المشهور "دار الإسلام" بهذا الرابط:
http://IslamHouse.com/49261

و إذا كنتم لا تملكوا الخبرة في الحوار حول الأديان يمكنك دعوتهم على أحد غرف الدردشة الموجودة في الموقع لتجد مختصين مستعدون لمحاورتهم حول الإسلام بمختلف اللغات في هذا الرابط:
http://www.islamhouse.com/chat

في هذه الصفحة دليل لدعوة غير المسلمين إلى الإسلام وباب للمسلمين الجدد لمعرفة دينهم.
http://IslamHouse.com/354880

أنظروا إلى فضل إدخال الناس للإسلام:

قال الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ[فصلت:33]، وقال صلى الله عليه وسلم:لَئَنْ يَهْدِي بَكَ اللهُ رجلاً واحداً خيرٌ لكَ مِنْ حُمْرِ النعم متفق عليه. وقال صلى الله عليه وسلم: من دل على خير فله مثل أجر فاعله.رواه مسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم: مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الأَجْرِ مِثْلُ أَجُورِ مَنْ تبعه، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئاً،رواه مسلم. فأبشر أخي الكريم، أختي الكريمة، فإن الله سيكتب لك أجر كل خير سيعمله من يسلموا بسببك، و أتمنى أن تجتهدوا في دعوة الناس إلى دين الله.

في الأخير لا تتردوا في نشر هذه الصفحة وشكرا

السبت، 23 يونيو، 2012

الوقف ودوره في الاستثمار


المقـدمة العامـة
يعد الوقف جزءا مهما من الشخصية القومية لأنه يتعلق بأحد أوجه الخير والسعي وراء نشره، ويعتبر وسيلة من الوسائل الهامة لضمان استقلالية أداء مؤسسات هامة. ولقد أظهر التاريخ الإسلامي علاقة الوقف بمجالات شتى في حياة المجتمع.
وفي هذا الإطار كان ومازال الوقف وسيلة لتوفير المناخ الملائم للتكفل بالكثير من الحاجات الإنسانية والمجتمعية.
وإذا كان الوقف قديما في حياة الشعوب الإسلامية، إلا أن هذه الشعوب تطورت في أساليب عيشها ونمط سلوكها بما يجعل استغلالها واستثمارها لأموال الأوقاف يتغير أو يستدعي التغيير حتى تتمكن من استغلال أفضل لممتلكات الأوقاف، على اعتبار أن الأوقاف لها مجال واسع للإجتهاد مقارنة بالزكاة.
والحقيقة أن مصطلح الاستثمار لم يرد في القرآن الكريم كما هو شائع في الاقتصاد بل جاء في القرآن بما يفيد التثمير والثمرات.
إن مختلف الآيات القرآنية ذات إشارات ودلائل دقيقة في فهم وممارسة التثمير، أولها أن المرحلــة      " مرحلة التثمير " هي مرحلة تكوين النتائج وأن مرحلة الاستهلاك مقرونة بإعطاء الحقوق وبدون إسراف ولا مغالاة لقوله تعالى: ﴿ كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده، ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ﴾.  (الأنعام 141). والإسلام يقر الاستثمار والإنفاق وتسريع دوران الثروة، أي أن الموارد في حركة دائمة وشاملة.



إن الجزائر باعتبار تميز اقتصادها بمجموعة من الخصائص والقيود التي لابد من أخذها بعين الاعتبار لاستغلال واستثمار ممتلكات الأوقاف، وإعطاء الأهمية لفكرة استثمار الأملاك الوقفية في بلادنا، لاسيما أنها تعرف وتيرة محتشمة أو بالأحرى بطيئة لأسباب موضوعية. وللتوغل في صلب الموضوع ارتأينا طرح التساؤل التالي:
ما مدى أهمية ونجاعة الوقف في تنمية الاستثمار وما أثره في التنمية الإقتصادية؟، إن هذا التساؤل يؤدي بنا إلى طرح عدد من التساؤلات الفرعية والمتمثلة فيما يلي:
ما هو الوقف، وما هي مراحل تطوره في الجزائر؟
ما معنى الاستثمار وما المقصود بالمشروع الاستثماري؟
ما هي مختلف الصيغ المعتمدة بغية التوصل إلى استثمار إيجابي للأملاك الوقفية؟
هل يمكن إحداث صيغ جديدة بإمكانها تمويل الأوقاف وجعلها في دنيا مبكية مستمرة؟
وكإجابة أولية على هذه التساؤلات اعتمدنا في تحليلنا لهذا الموضوع على الفرضيات التالية:
1. الوقف هو عمل خيري تبرعي وصدقة جارية يراد بها التقرب إلى الله عز وجل.
2. الاستثمار هو سلسلة من المصروفات والمداخيل انطلاقا من نفقة ابتدائية تبتع بتكاليف من أجل الحصول على ايرادات مستقبلية.
3. إن الاتجاهات المعاصرة في تطوير الاستثمار الوقفي من صيغ تقليدية وصيغ مستحدثة كفيلة باستقلال أمثل للأملاك الوقفية في ترقية الاستثمار.



أسباب اختيار الموضوع:
1. على اعتبار أن الجزائر في الآونة الأخيرة بدأت تفكر في استرجاع مكانة الوقف واستغلاله استغلالا أمثل.
2. محاولة إيجاد بديل للأنظمة الاقتصادية العالمية وتوضيح علاقة الاقتصاد بالإسلام.
3. إعطاء أهمية أكبر للموضوع من خلال تحسيس القارئ بجوانبه الاقتصادية والاجتماعية والانسانية.
4. تصنيف الأملاك الوقفية وتبيان خصوصياتها مقارنة بباقي الأملاك.
أهمية الموضوع:  
يمكن القول أن الوقف هو المرآة التي تعكس حجم التضامن بين أفراد المجتمع الإسلامي ومدى مشاركة كل فرد فيه بأعمال الخير والبر. ومن جهة ثانية فإن دور الوقف في ترقية الاستثمار دور هام وفعال من خلال خلق ديناميكية ناجعة ومستمرة وحيوية أكثر للإقتصاد الوطني.
كما أن الأملاك الوقفية كفيلة بتقليل العبء المالي على الدولة من خلال مداخيلها الخاصة وما يمكن لها أن توفره من مناصب شغل ومكاسب أخرى.
منهج الدراسة:
استنادا إلى الموضوع المدروس ومن اجل الإجابة على التساؤل المطروح اخترنا المنهج الوصفي، فيما يتعلق بالمفاهيم العامة كتعريف الوقف وشروطه وأركانه وأقسامه، وتعريف الاستثمار وأنواعه وأساسيات المشروع الاستثماري، ومنهج تاريخي تطرقنا لاستعراض مراحل تطور الوقف في الجزائر، أما في الفصل الثالث فعمدنا إلى توضيح الاتجاهات المعاصرة في تطوير الاستثمار الوقفي، وعمدنا في خاتمة البحث أن نعطي بعض التوصيات المقترحة من أجل إثراء هذا الموضوع، ثم أعطينا جدولا بسيطا للإحصائيات الخاصة بالأملاك الوقفية للثلاثي الثاني لسنة 2006.

مصادر الدراسة:
اعتمدنا في بحثنا هذا بالدرجة الأولى على الكتب والتي استقينا منها التعاريف والنظريات واستعنا ببعض مذكرات الماجيستر واللسانس لنأخذ بعض العناصر التي استعسر الحصول عليها، هذا بالإضافة لبعض المعلومات من شبكة الانترنيت.
صعوبات البحث:
لا يخلو بحث من صعوبة إن جد وعمل الباحث على إثراء موضوعه فرغم خلو بحثنا من الجانب التطبيقي والذي عادة ما يكون حجر الإعاقة للباحث خاصة مع فقدان هيكل مؤسساتي ينظم ويسير الأملاك الوقفية في الجزائر، إلا أننا حاولنا إعطاء بعد جديد ومفهوم إضافي للوقف من خلاله يمكن التعمق أكثر في موضوع البحث من طرف باحثين آخرين حتى نصل إلى الهدف المتوخى من هذا البحث ألا وهو هيكلة وتأطير الأملاك الوقفية وجعلها تساهم في النهوض بالاقتصاد الوطني.
تقسيمات البحث:
قسمنا بحثنا هذا لإلى ثلاث فصول، الأول تناولنا فيه تعريف الوقف لغة واصطلاحا، أقسامه، أركانه وأهميته، وكذلك مراحل تطوره في الجزائر. الفصل الثاني خصصناه إلى ماهية الاستثمار، أهميته، مجالاته، أنواعه وخصائصه، وكذا المفاهيم الأساسية للمشروع الاستثماري. أما الفصل الثالث، فقد تطرقنا فيه لدراسة الاتجاهات المعاصرة لاستثمار الأملاك الوقفية ورأينا كيف تطورت الصيغ المستحدثة بعدما كانت صيغ تقليدية للاستثمار الوقفي.
وفي الأخير قدمنا خاتمة هي عبارة عن خلاصة عامة حول الدراسة وأهم النتائج المتوصل إليها وبعض التوصيات والاقتراحات الممكنة.
   
المبحث الأول: ماهية الوقف.
قبل التطرق إلى دور الوقف في تنمية الاستثمار و آثاره لابد من التعرف على ماهية الوقف، من خلال تعريف الوقف و خصائصه و أهميته و أركانه و شروطه و أقسامه، و ذلك من خلال الدلائل الشرعية والنصوص القانونية المتعلقة به.
المطلب الأول: تعريف الوقف، خصائصه و أهميته.
الفرع الأول: تعريف الوقف.
أولا: الوقف لغة:
هو الحبس و يقال: وقف/يقف/وقفا أي حبس يحبس حبسا( ) و نقول: وقفت الشيء أي حبسته و سبلته فهو وقف و حبس و مسبل، و الجمع أوقاف – و وقفت الرجل عن الشيء وقفا أي منعته عنه.
ثانيا: الوقف اصطلاحا:
فعند الإمام أبي حنيفة: " هو حبس العين على حكم ملك الواقف و التصدق بالمنفعة على وجه الخير". و عند الإمام مالك: " هو إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازما بقاؤه في ملك معطيه و لو تقدير".
أما عند الإمام الشافعي: " هو حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه يقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح ".
و عند الإمام أحمد بن حنبل: " هو حبس مال على الموقوف عليهم بحيث يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه وذلك بقطع التصرف في رقبته، أو هو تحبيس العين   و تسبيل المعرفة "( ).

و من خلال ذلك نستشف دقة تعريف فقهاء المذهب المالكي و من خلاله يأتي التعريف الأرجح و الذي مدلوله كالآتي: " الوقف هو حبس العين عن التملك على وجه التأبيد و التصدق بالمنفعة على الفقراء أو على وجه من وجوه البرّ و الخير "( ).
ومن خلال كل هذه التعاريف يمكن لنا تلخيص تعريف شامل للوقف والذي هو حبس العين أوالمال على وجه التأبيد والتصدق بمنافعهم على الفقراء والمساكين وكل ذوي الحاجات التي يلبيها الوقف.
الفرع الثاني: خصائص الوقف.
يتميز الوقف بعدة خصائص، حيث يمكن تصنيفه ضمن عقود التبرع، وبكونه يتمتع بشخصية "معنوية" مستقلة بالإضافة إلى أنه يفيد التأبيد إلى جانب تميزه بحماية قانونية.
وحتى نضفي تعليلا إضافيا قصد توضيح فكرة كون الوقف عقدا من عقود التبرع، فلا بد من التذكير بعنصرين أساسيين:
أولا: العقد الوقفي هو تصرف إنفرادي.
استنادا إلى المادة 04 من قانون الوقف: " الوقف عقد التزام تبرع صادر عن إرادة منفردة ". إن هذه المادة وردت تحت الفصل الأول الخاص بالأحكام العامة المتعلقة بتحديد مفهوم الوقف في خطوطه العامة.
  إن تحديد المادة السابقة يدفعنا إلى تحليل مصطلحاتها الواردة فيها ومنها مصطلح العقد فما هو المقصود بالعقد هنا ؟( ).
إن العقد عند أهل الفقه له مدلولان عام و خاص :
- فالمدلول العام يفيد أن العقد تصرف قانوني يترتب عليه إلتزام.

- أما المدلول الخاص للعقد هو: توافق بين إرادتين مظهرها الإيجاب و القبول على إحداث \اثر قانوني معين. و إذا كان الأمر كذلك فأي المدلولين ينطبق على الوقف ؟.
إن الفقه الإسلامي يعرف اختلافا في مدى انطباق المفهوم الخاص للعقد على الوقف، على أساس أن هناك من يشترط القبول لقيام عقد الوقف، ومنهم من يكتفي بالإيجاب فقط كما سنرى في أركان عقد الوقف لاحقا.
أما في القانون الجزائري فإنه للوقوف على حقيقة موقفه فيجدر الاسترشاد بالإضافة إلى المادة الرابعة السابقة من القانون 91/10 بتاريخ 27/04/1991 المتعلق بالأوقاف وبالمادتين التاليتين:
- المادة 07 من قانون الوقف تنص على: " يصير الوقف الخاص وقفا عاما إذا لم يقبله الموقوف عليهم ".
- المادة 13/ف2 من نفس القانون التي تنص: "... فالشخص الطبيعي يتوقف استحقاقه للوقف على وجوده وقبوله، أما الشخص المعنوي فيشترط فيه ألا يشو به ما يخالف الشريعة الإسلامية ".
إن ما يستنتج من المادتين 07 و 13 السابقتين، هو أن القبول بالنسبة للوقف الخاص هو فقط لتثبيت الاستحقاق و لا يترتب عليه وجود الوقف، أما في الوقف العام غير موجود أصلا وهذا ما يدعونا إلى القول:
إن انعقاد الوقف يتوقف على الإيجاب فقط، أما القبول فما هو إلا شرط لنفاذه اتجاه الموقوف عليهم إذا كان الوقف خاصا، فإذا لم يقبل الموقوف عليهم الوقف فإن ردهم له لا يجعل الوقف باطلا، و هذا ما يجعل العقد في المادة الرابعة السابقة هو العقد بالمدلول العام، وعليه يكون الوقف: تصرفا قانونيا يترتب عليه التزام بإرادة منفردة، وهو ما ذهب إليه غالبية الفقهاء.



ثانيا: الوقف تصرف تبرعي.
باعتبار الوقف عقدا بالمفهوم العام فإنه يصنف ضمن التصرفات التبرعية التي لا يحصل فيها أحد المتعاقدين على مقابل لما يقدمه، و لا يقدم العاقد الآخر مقابلا لما يحصله عليه، و لقد نصت المادة 04 من قانون الوقف على فكرة التبرع بالقول " الوقف عقد التزام تبرع...".
إن زوال حق ملكية الواقف لا يعني انتقالها إلى الموقوف عليه، بل أن محل التبرع هو منفعة الشيء الموقوف فقط، وتحبس رقبة المال الموقوف، ويدل على ذلك ماتفيده المواد التالية:
- المادة 03 من قانون الوقف تنص: " الوقف هو حبس العين عن التملك على وجه التأبيد، و التصدق بالمنفعة على الفقراء أو على وجه من أوجه البر و الخير ". ومحل الشاهد هو جملة المنفعة والتصدق، فمحل التبرع هو المنفعة.
- المادة 18 من قانون الوقف تنص: " ينحصر حق المنتفع بالعين الموقوفة فيما تنتج ... ".
فما تنتجه العين الموقوفة من ثمار أو ريع هو الذي يكون محلا للتبرع. إذن، الواقف بتصرفه يقدم منفعة العين الموقوفة إلى شخص معين، أو إلى جهة من جهات الخير دون أن يحصل على مقابل مادي، بل ينبغي بتصرفه عمل البر بالموقوف عليه و احتساب الأجر عند الله( ).
الفرع الثالث: أهمية الوقف.
للوقف عدة مقاصد جوهرية نذكرها على سبيل الأهمية:



أولا: المقصد التعبدي.
إن غاية الوقف هو التقرب إلى الله تعالى بالطاعة وتحقيق رضوانه، ونيل ثوابه المتجدد طيلة استدامة أعمال البر بالمعروف و الإحسان إلى خلقه، ويظهر ذلك جليا في الحديث النبوي الشريف: ﴿ من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله و تصديقا بوعده كان شبعه وريه وروثه ويوله حسنات في ميزانه يوم القيامة﴾( ).
و قوله صلى الله عليه و سلم: ﴿ إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به من بعده أو ولد صالح يدعو له. ﴾( ).
ثانيا: المقصد الإنساني.          
باعتبار أن الإسلام جاء لتحقيق مصالح الناس وهدايتهم للتي هي أقوم و من تلك الأهداف ما يلي:
‌أ. تنظيم الحياة بمنهج رشيد وحميد، متوازن، يقوي الضعيف ويعين ذا الحاجة و العاجز ويحفظ حياة المعدم ويرفع من مستوى الفقير في الوقت الذي تحترم فيه إرادة الواقف وتحقق رغباته الإيجابية المشروعة.
‌ب. تحقيق منافع معيشية و اجتماعية و ثقافية مستمرة و متجددة في أزمنة متطاولة وذلك من خلال وقف المساجد و المصاحف و الكتب و المدارس، و الفنادق و السقايات و المستشفيات ودور العجزة و نحوها.
‌ج. إطالة مدة الانتفاع بالمال إلى أجيال متتابعة، حيث تستفيد الأجيال اللاحقة بما لا يضر الأجيال السابقة.
‌د. تأمين الواقف مستقبل أقاربه وذريتهم وغيرهم من الأجيال اللاحقة وذلك من خلال إيجاد مورد ثابت لهم يكفيهم الحاجة و العوز لأنه قد لا يتهيأ للأجيال اللاحقة، جمع ثروات تحميهم من تقلبات الزمن وعوادي الدهر خاصة ذوي الحاجات الخاصة.

‌ه. تحقيق استمرارية حصول القربة و الثواب للواقف في حياته وبعد مماته، إن ما يجدر التأكيد عليه هو أن الوقف لا يحقق هذه الأهداف إلى بقدر ما تتضمنه نية الواقف من قصد التقرب إلى الله تعالى ونيل مرضاته، فإن خالفت هذا الأمر، كان الوقف غير جائز و لا يرعاه الشرع و لا يقره أو كأن يقصد الواقف بوقفه إيثار بعض الورثة بالميراث كله أو بعضه وحرمان الآخرين أو تطفيف حقوقهم.
المطلب الثاني: أركان الوقف، شروطه و أقسامه.
الفرع الأول: أركان الوقف.
المقصود بأركان الوقف، أسسه و قوامه التي لا قيام له إلا بها، وهي الأركان بلغة فقهاء الجمهور وهي على النحو التالي:
‌أ. الواقف: وهو المالك للذات أو المنفعة المصروفة للموقوف له، وهو المحبس باصطلاح المالكية.
‌ب. الموقوف عليه: أي الشخص أو الجهة الموقوف عليها، وهو المحبس له بإصطلاحها.
‌ج. الموقوف: وهو الذات الموقوفة أو المنفعة، سواء كانت منفعة عين يملكها الواقف كتحبيس منفعة داره المؤجرة، أو منفعة عين لا يملكها كأن يؤجر دار لمدة معينة و تحبس منفعتها في تلك المدة وبانتهائها ينتهي الوقف.
‌د. الصيغة: وهي الصيغة التي يتم بها " عقد الوقف "، وهي ركن الوقف الوحيد عند فقهاء المذهب الحنفي، ويمكن أن تكون صيغة الوقف على أحد الطرق الآتية:
- الكلام.
- الكتابة.
- الإشارة.

- المعطاة و الالتزام بالأفعال.
الفرع الثاني: شروط الوقف.        
‌أ. شروط تتعلق بالواقف:
ويشترط في الواقف أن يكون أهلا للتبرع، أي يتمتع بأهلية الأداء وهي:
الحرية: فلا يصح وقف العبد.
العقل: فلا يصح وقف المجنون و المعتوه ولا مختل العقل.
البلوغ: فلا يصح وقف الصبي، مميزا كان أو غير مميز أو لو أذن وليه.
الرشد: بأن لا يكون الواقف محجوزا عليه بسبب سفه أو إفلاس أو غفلة( ).
وقف المدين( ): وقد اتفق الفقهاء الذين قرروا جواز الحجز على المدين عند استغراق ماله بالدين أن لا يجوز له أن يقف شيئا من الأموال التي حجز عليه فيها إلا بإذن الغرماء. أما إذا كان الوقف قبل الحجز عليه ... فقال ابن الهمام في فتح القدير: " لو وقف المدين الصحيح وعليه ديون تحيط بما له فإن وقفه لازم، لا ينقصه أرباب الديون إذا كان قبل الحجز بالاتفاق لأنه لم يتعلق حقهم بالعين في حال صحته". أي لأن الدين قد تعلق بالذمة ولم يتعلق بالعين، والراجع في المذهب المالكي أي الواقف المدين إذا وقف إضرارا بالدائنين يكون لهم الحق في إبطال هذا الوقف، وقال ابن تيمية رحمه الله: " من وقف وقفا مستقلا ثم ظهر عليه دين ولم يمكن وفاء الدين إلا ببيع شيء من الوقف وهو في مرض الموت، بيع باتفاق من العلماء "، وإذا كان الوقف في الصحة فهل يباع لوفاء الدين؟ فيه خلاف في مذهب أحمد وغيره ومنعه قوي.


العمل بشرط الواقف( ): ويجب العمل بشرط الواقف ما لم تخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فمن شرط شرطا يخالف كتاب الله فهو باطل وإن شرط مائة شرط.
وهل يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه إذا اقتضت الضرورة ذلك؟ يرى ابن تيمية أن ذلك جائز وإن اختلف ذلك باختلاف الزمان و المكان حتى ولو وقف على الفقهاء والصوفية واحتاج الناس إلى الجهاد، صرف إلى الجند.
والأصل في العمل شروط الواقف ما رواه الجماعة من حديث ابن عمر – رضي الله عنهما – في وقف عمر وفيه: " ... فتصدق بها عمر: أنه لا يباع أصلها ولا يبتاع ولا يورث ولا يوهب وتصدق بها للفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضعيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديق غير متمول فيه ".              
‌ب. شروط تتعلق بالموقوف عليه:
يشترط للموقوف عليه أن يكون أهلا لصرف المنافع عليه، أي أن يكون أهلا للتملك حقيقة، كالوقف على فلان من الناس أو حكما كالوقف على المساجد و المدارس و الرباط سواء كان الموقوف عليه موجودا فعلا أو جنينا أو أنه سيولد في المستقبل.
‌ج. شروط تتعلق بالموقوف:
اشترط فقهاء المذهب المالكي في الموقوف أن يكون مملوكا لا يتعلق به حق الغير، ومفرزا إذا كان غير قابل للقسمة، ويجوز عند المذهب المالكي وقف مرهون ومأجور حال انتهاء تعلق حق الغير به.
كما يجوز وقف ما يتعلق به حق الغير إذا قصد بوقفه نفاذه بعد الخلاص من الرهن و الإجازة لأنهم لا يشترطون التنجيز ولا التأبيد.

بينما اشترط الأحناف أربعة شروط في الموقوف وهي:
1. أن يكون الحال معلوما غير مجهول
2. أن يكون الموقوف معلوما غير مجهول.
3. أن يكون الموقوف ملكا للواقف ملكا تاما.
4. أن يكون الموقوف مفرزا.
‌د. شروط تتعلق بالصيغة:
1. التأييد: عند كافة الفقهاء عدا المالكية.
2. التنجيز: عدا المالكية أيضا، أي أن يكون الموقوف منجزا في الحال غير معلق بشرط ولا مضاف إلى وقت في المستقبل، بينما عند المالكية لا يشترط التنجيز فيجوز عندهم أن يقول: " داري وقف بعد شهر أو أقل ".
3. كما اشترط الشافعية بيان المصرف.
الفرع الثالث: أقسام الوقف.
اتفق جمهور الفقهاء على تقسيم الوقف وفقا لمعايير معينة كما هو مبين على النحو التالي:
أولا: تقسيم الوقف حسب المعيار الزمني.
الوقف المؤقت: هو الوقف الذي حبسه الواقف للانتفاع به مدة معينة في سبيل الله ثم يرجع المال الموقوف إلى ملكية الواقف. و هذا الأخير، يخالف ما تبناه المشروع الجزائري إذ نستشف ذلك من خلال نص المادة 28 من قانون الوقف التي تنص: " يبطل الوقف إذا كان محددا بزمن ".
الوقف المؤبد: وهو الوقف الذي حبسه الواقف للانتفاع به دون تحديد مدة معينة (على سبيل التأييد في سبيل الله).

ثانيا: تقسيم الوقف حسب جهة إدارته.
أ‌. الوقف النظامي: وهو الوقف الذي تشرف على إدارته وضبطه السلطة المكلفة بالأوقاف.
ب‌. الوقف الملحق: وهو الوقف الذي يديره متول ويتبع في إدارته شروط الواقف دون أن يكون مضبوطا أو مرسما لدى الجهات الرسمية المكلفة بالوقاف.
ثالثا: تقسيم الوقف حسب جهة صرفه.
أ. وقف عام: وبدوره قسم إلى قسمين:
- وقف عام محدد الجهة.
- وقف عام غير محدد الجهة.
ولقد حدد القانون 91/10 المؤرخ في 12 شوال 1411هـ، الموافق لـ 27/04/1991، المتعلق بالأوقاف في مادته 08 الأوقاف العامة المصونة كمايلي:
1. الأماكن التي تتقاسم فيها الشعائر الدينية.
2. العقارات أو المنقولات التابعة لهذه الأماكن سواء كانت متصلة بها أو بعيدة عنها.
3. الأموال و العقارات والمنقولات الموقوفة على الجمعيات والمؤسسات و المشاريع الدينية.
4. الأملاك العقارية المعلومة وقفا والمسجلة لدى المحاكم.
5. الأملاك تظهر تدريجيا بناءا على وثائق رسمية أو شهادات أشخاص عدول من الأهالي وسكان المنطقة التي يقع فيها العقار.
6. الأوقاف الثابتة بعقود شرعية، وضمت إلى أملاك الدولة أو الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين.
7. الأوقاف الخاصة التي لم تعرف الجهة المحبس عليها.

8. كل الأملاك التي آلت إلى الأوقاف العامة ولم يعرف واقفها والموقوف عليهم ومتعارف عليها أنها وقف.
9. الأملاك العقارية أو المنقولات الموقوفة أو المعلومة وقفا والموجودة خارج الوطن بالإضافة إلى ما ورد في المادة 06 من المرسوم التنفيذي 98/381 المؤرخ في 01/12/1998 الذي يحدد شروط إدارة الأملاك الوقفية و تسييرها وحمايتها وكيفيات ذلك وهي:
‌أ. الأملاك التي اشتراها أشخاص طبيعيون أو معنويون بإسمهم الشخصي لفائدة الوقف.
‌ب. الأملاك التي وقفت بعدما اشترت بأموال جماعة من المحسنين.
‌ج. الأملاك التي وقع الاكتتاب عليها في وسط هذه الجماعة.
‌د. الأملاك التي خصصت للمشاريع الدينية.
ب. وقف ذري / خاص:
وهو يحبسه الواقف على عقبة من الذكور أو الإناث أو على أشخاص معينين ثم يؤول إلى الجهة يعينها الواقف بعد انقطاع الموقوف عليهم( ) ويصير الوقف الخاص وقفا عاما إذا لم يقبله الموقوف عليهم( )، ولعل أن المشروع الجزائري يسعى قصد إلمام ما يسمى بالوقف الخاص مستقبلا لعدة مبررات نذكر أهمها:
1. أن الوقف الذري مخالف لتعاليم الإسلام، إذ أن الكثير من الناس من يلتجئ إلى هذا النوع من الأوقاف لحرمان بعض الورثة من الإرث وهو ما اعتبر عند الفقهاء إخلالا بقواعد الميراث.(التنازع أو التعارض مع التشريعات).
2. إن هذا النوع من الوقف يؤدي إلى تجميد الثروة وحبسها عن التداول.


3. إنه بمرور الزمن يتعدد المستحقون في الوقف الواحد، فيصبح نصيب المستحقين ضئيلا ولا يمكن التصرف فيه مما يؤدي إلى إهماله. نظرا للمنازعات و المشاكل التي ظهرت أثناء تطبيق الوقف الخاص مما يؤدى إلى تعطيل مصالح المستحقين فقد تم إلغائه بموجب القانون 02/10 المؤرخ في 10 شوال 1423 الموافق لـ: 14/12/2002 المعدل و المتمم للقانون رقم 91/10 المعدل والمتمم.
رابعا: أنواع أخرى للوقف.
‌أ. وقف الحكام( ): أما الوقف الذي يقتطعه الحكام من بيوت أموال المسلمين و الأراضي المملوكة اليوم للدولة ويجعلونه على المصالح العامة، فلا يجوز لحاكم بعدهم أن يتصرف في منفعته في غير الوجوه التي وقف من أجلها إلا إذا اقتضت مصلحة أكبر فيها للجهتين غبطة – أي تحسين – أو وضع أفضل.
‌ب. وقف المشاع( ): قال صاحب المذهب – رحمه الله -: " وما جاز وقف جاز وقف جزء منه مشاع لأن عمر – رضي الله عنه – وقف مائة سهم من غنائم خيبر بإذن رسول الله – صلى الله عليه و سلم – لأن القصد بالوقف حبس الأصل وتسبيل المنفعة و المشاع كالمقسوم في ذلك ".
‌ج. وقف الحلي( ): ويصح وقف الحلي للبس وعارية عند الشافعي و أحمد – رحمهما الله – وروى عن أحمد أنه لا يصح ... قال في " الشرح الكبير" و " المذهب الأول ". أي أنه يصح، حيث قال: " لأن ذلك نفع مباح مقصود يجوز أخذ الأجرة عليه فيصح الوقف عليه كوقف السلاح في سبيل الله ".



‌د. وقف الدراهم و الدنانير( ): اختار ابن تيمية – رحمه الله – جواز وقف الدراهم و الدنانير للقرض والتنمية وصورة ذلك أن يقف الرجل مبلغا من الدراهم أو الدنانير على من يكون به حاجة للقرض، يقترض من المبلغ الموقوف ثم يرد ما اقترض ليأخذه آخر به حاجة وهكذا دوالليك (قرض حسن ممول من الإيرادات الوقفية).
‌ه. وأما صورة الوقف للتنمية: أن يقف الرجل مبلغا من الدراهم أو الدنانير ويجعله قراضا (مضاربة) يعاد بربحها على الموقوف عليه – على نحو ما يشترط الواقف – مع بقاء أصل المال عاملا في القراض.
المطلب الثالث: شروط الاستثمار الوقفي و أهميته.
الفرع الأول: شروط الاستثمار الوقفي.
اشترط المشرع الجزائري لاستثمار الوقف الشروط التالية:
1. احترام إرادة الواقف: اشترط المشرع هذا الشرط، ولم يضبطه بضابط، فالإشكالية في هذه النقطة بالذات هل تحترم إرادة الواقف مطلقا فيكون هذا الشرط شرط صحة في الاستثمار. أما لابد أن نقيده، فيكون احترام إرادة الواقف نسبيا فقط وخاصة إذا ما ثبت أن استثمار العقار يكون سببا في تنميته وحمايته لأنه يعود على الموقوف عليهم بالربح، مما يستلزم بأن يعود على الواقف بالأجر الأكبر.
2. ألاّ يخالف الاستثمار النصوص الشرعية ولا مقاصدها، فيجب على الناظر التحقق من مدى شرعية الاستثمار وذلك باستشارة المتخصصين و الفقهاء. فإذا كان الاستثمار مخالفا لنصوص الشريعة كاستثمار في زراعة أرض بالعنب المعد للخمر فإنه باطل.



3. احترام كيفيات الاستثمار التي حددها قانون الوقف و أحكام قانونية عامة. فقد ذكر المشرع هذه الكيفيات في المواد( ) 26 مكرر 1 و مكرر 2 و مكرر 5، 6، 7، وهي عقد المزارعة، عقد المسافاة، عقد الحكر، عقد المرصد، عقد المقاولة، عقد المقايضة، عقد الترميم أو التعمير أو عقد الإيجار.                      
الفرع الثاني: أهمية الاستثمار الوقفي.
1. العقار الوقفي عامل من عوامل الإنتاج الاقتصادي، و الوقف من أهم عوامل التنمية و لاسيما إذا خضع لأوجه الاستثمار مثل الإيجارة التمويلية، و إبداله بوقف مشترك أفضل إذا تم الإستصناع على أرض الوقف مع الاستثمار الذاتي.
2. إن طبيعة العقار الوقفي تقتضي منه أن يكون أداة لدفع الثروات الاقتصادية إلى الأمام، ولكن الذي حدث أن الوقف تعطل و أصبح معوقا اقتصاديا ومن هنا نشأت إشكالية منطقية جدلية تتعلق بكيفية إنقاذ الوقف ودفعه لتحقيق دوره الاقتصادي و الاجتماعي.
3. إن استثمار العقارات الوقفية بالطرق الشرعية يعتبر أسلوبا جديدا لامتصاص البطالة المنتشرة في بلادنا وذلك بإنشاء مناصب شغل جديدة. لاستثمار العقارات الوقفية لابد من ربطها وإبراز دورها في التنمية الوطنية.
4. إن استثمار العقارات الوقفية سبيل لإنقاذ هذه العقارات من محنتها التاريخية وجمود القانون و الركود و التآكل و الاهتلاك المبيد لا يتأتى إلا بمرونة شرعية لفقه الاستثمار الوقفي المعاصر وهو أسلوب من حماية العقار.
وإذا توقفنا قليلا عند طبيعة اهتمام الجزائر بملف الوقف في العقدين الماضيين فإننا نسجل بعض الملاحظات حول هذا الاهتمام:


1. أن الجزائر لم تهتم بالوقف إلا عرضا ودليل على ذلك أنها لم تقم باستكشاف المخزون الهام و الهائل من الوثائق المدفونة في الأرشيف الوطني و الموزعة عبر التراب الوطني أو الموجودة بالخارج خاصة فرنسا.
2. أن الجزائر قد تأخرت كثيرا بالاهتمام بالأوقاف ولم تجر بحوث متكاملة وعميقة بعكس ذلك أن الدولة لم تقم بإنشاء مراكز بحثية خاصة بالأوقاف بل لم تصل الدولة إلى إنشاء مجلة وقفية متخصصة في الأوقاف( ).


المبحث الثاني: التطور التاريخي للوقف.
المطلب الأول: الوقف في الإسلام.
شرع الله الوقف وجعله شكل من أشكال العطاء والتبرع في الإسلام. ولم يكن الوقف معروفا في عهد الجاهلية ولكن دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ظهور الإسلام وشجعه كنوع من أنواع الصدقة الجارية التي يجني الفقراء والمحتاجين والواقفين ثمارها بصورة مستمرة دون توقف. " ولقد شجع الرسول صلى الله عليه وسلم الصدقة الجارية متضمنة الوقف بقوله: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ". والأساس الديني للوقف يرتبط بالخليفة عمر بن الخطاب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم عندما حصل على بساتين وحقول كغنيمة له بعد فتح العرب لخيبر، فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا رسول الله إني أصبت أرضا بخيبر لم أحب مالا قط أنفس عندي عنه، فما تأمرني به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها. فتصدق بها عمر، إنها لا تباع ولا توهب ولا تورث، وتصدق بها إلى الفقراء وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن السبيل والضيف لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول ". ومنذ ذلك الحين، انتشر الوقف بين المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم واستمر بعده قرونا طويلة.
ويجوز الوقف على أهل الذمة مثل المسيحيين والتصدق عليهم، وقد وقفت صفية بنت حيي زوج النبي صلى الله عليه وسلم على أخ لها يهودي.
ومن أهم أوقاف صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم:
- تصدق أبو بكر الصديق رضي الله عنه بداره على ولده.
- تصدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بريعه عند المروة على ولده.

- وعثمان بن عفان رضي الله عنه ببئر رومه.
- وعلى بن أبي طالب كرم الله وجهه بأرض بينبع.
- والزبير بن العوام رضي الله عنه بداره في مكة ومصر وأمواله على ولده.
- وسعد بن ابي وقاص رضي الله عنه بداره في المدينة ومصر لولده.
- وعمر بن العاص بداره بمكة على ولده.
- وحكيم بن حزام بداره في مكة والمدينة على ولده.
المطلب الثاني: تنظيم الوقف في الجزائر أثناء العهد العثماني.
الفرع الأول: انتشار الأوقاف في العهد العثماني.
إن نظام الوقف من النظم التي سادت بين الشعوب التي امتد إليها الفتح الإسلامي نظرا لما له من دور في الحياة الدينية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لهذه الشعوب ومنذ أن باتت أراضي المغرب العربي عموما داخلة في رقعة الدولة الإسلامية، نشأ هذا النظام المستند للشريعة الإسلامية في أحكامه ومعاملاته وفق المذهب المالكي السائد في هذه البلاد، وبعد دخول الأتراك وفي فترة حكمهم انتشر الوقف وازدهر أكثر فأكثر لاسيما في أواخر العهد العثماني، حتى أصبحت أوقاف جامع عبد الله صفر بالجزائر و المعروف بجامع سفير تقدر عام 940 هـ الموافق لـ 1534 م حوالي 100 هكتار و أوقاف ضريح " سيدي بومدين " تناهز 23 وقفا عقاريا داخل و خارج مدينة تلمسان سنة 966 هـ - 1500 م( ).
وقد أدت عدة عوامل إلى تزايد عدد الأملاك الموقوفة بشكل كبير حتى أصبحت الأراضي الموقوفة في


مطلع القرن الثامن عشر تستحوذ على مساحات شاسعة لا تماثلها في شساعتها سوى ملكية الدولة، وقد أصبح الوقف بالجزائر بعد انتشاره وتكاثره في أواخر العهد العثماني مؤشرا على مختلف أوجه الحياة، بحيث أصبحت الأوقاف تشتمل على الأملاك العقارية و الأراضي الزراعية وتضم العديد من الدكاكين و الفنادق وأفران الخبز و العيون والسواقي والصهاريج وأفران معالجة الجبس بالإضافة إلى الكثير من الضيعات والمزارع والبساتين والحدائق( ) وقد توزعت الأوقاف عموما على مجموعة من المؤسسات الدينية أهمها( ):
مؤسسة أوقاف الحرمين الشريفين( ): وهي أهم المؤسسات وقد كانت تستحوذ على نصف مجموع الأملاك الموقوفة في الجزائر وقد كان لها دور بالغ خاصة في مد العلاقات بين الدولة الجزائرية والبقاع المقدسة( ) وقد بلغت أوقافها 1419 وقفا خيريا.
مؤسسة أوقاف الجامع الأعظم. مؤسسة وقف سبل الخيرات.
مؤسسة أوقاف الأولياء المرابطين. مؤسسة أهل الأندلس.
مؤسسة أوقاف الأشراف.
الفرع الثاني: تسيير الأوقاف الجزائرية في العهد العثماني( ).
لقد أولى العثمانيين اهتماما واسعا لمسألة تنظيم الأوقاف فشكلوا لذلك جهازا منظما لتسيير وإدارة الأوقاف التابعة للمؤسسات الوقفية السابق ذكرها وهو كما يلي:


أولا: المجلس العلمي:
كان الإشراف على الوقف ومراقبته في العهد العثماني معهودا إلى هيئة علمية تسمى "المجلس العلمي"، يتألف هذا الأخير من المفتي ورجال القضاء و الأعيان ومسؤول الوقف، ويحضره في غالب الأحيان القاضي الحنفي والمفتي والقاضي المالكي وشيخ البلد وناظر بيت المال (بيت المالجي) ورئيس الكتاب (الباشا عادل) وكاتبا عادل للتسجيل (عادل) وضابط برتبة (باشا يايا باشي) ممثلا للديوان.
ينعقد المجلس أسبوعيا كل يوم خميس بأحد محال الجامع الأعظم:
 مهام وصلاحيات المجلس العلمي:
- الأمر والنهي في كل ما يتعلق بوضعية الوقف وحمايته من كل ضياع أو تلف.
- إصدار قرارات تتماشى ومصلحة الوقف من كراء واستبدال وصيانة وغير ذلك.
- التصرف في شؤون الأوقاف ومراقبة الموظفين القائمين عليها كالشيخ الناظر وجماعة الوكلاء والكتاب (الخواجات) و الأعوان والشواش والحزابة (الطلبة الذين يقرؤون القرآن بالمسجد).
- الإفتاء الديني في مسائل شرعية و إعطاء الرأي و الحكم فيها.
ثانيا: الشيخ الناظر (الوكيل العام):
و يسمى الشيخ الناظر أو المتولي أو الوكيل العام وهو أعلى سلطة في " مؤسسة الوقف " ويتم تعيينه على رأسها غالبا من طرف الداي شخصيا بالنسبة للجزائر ومن طرف البايات في باقي المقاطعات ويستمد الشيخ الناظر سلطته مباشرة من الديوان وهو ملزم في عمله بتطبيق قرارات " المجلس العلمي " الذي يعد بمثابة الهيئة التشريعية كما يرجع إلى توجيهات المفتي أو القاضي فيما يخص الأحكام التي يساعده الشيخ


الناظر في المؤسسة الوقفية التي يشرف عليها مجموعة من الموظفين الذين يتبعونه مباشرة وهم الأعوان والوكلاء والشواش، ومن مهامه، الإشراف على أوجه الإنفاق وحفظ مصادر الأوقاف، جمع المداخيل النقدية
والعينية للوقف، مراقبة دفاتر الحسابات الخاصة بالمؤسسة الوقفية التي يشرف عليها، حفظ نسخ من سجلات الحسابات وإرسال نسخ منها إلى المفتي أو القاضي زيادة في الحرص، إرسال تقرير مفصل عن كل ما يقوم به المجلس العلمي.
ثالثا: وكلاء المدن الكبرى و الأحياء:
ويعملون تحت سلطة الشيخ الناظر وهم في الدرجة الثانية من حيث السلم الإداري ومن مهامهم ما يلي: جمع المحاصيل وقبض المداخيل الوقفية، صرف المرتبات، صيانة الأوقاف، تقديم حساب مفصل للشيخ الناظر لمؤسسة الوقف عن الريوع التي يجمعونها كل ستة أشهر، ضبط الحسابات السنوية وتسجيلها في الدفاتر الرسمية.
رابعا: مجموعة الأعوان:
يساعد الناظر ووكلاء الأوقاف مجموعة من الأعوان وذلك لتسهيل مهامهم المتزايدة بتزايد حجم الأوقاف وهم كما يلي:
- كتاب الوكلاء الرئيسيين: ويعرفون بالخواجات وهم بمثلبة المحاسبين المكلفين بمسك محاسبة الشيخ الناظر ومهمتهم ضبط حسابات الأوقاف وحفظ الأوراق.
- العدول: ويعينون من طرف القضاة من أجل مهام مختلفة منها تسجيل عقود الوقف.
- الشواش: وهم القائمين بخدمة الوقف وصيانته وحراسته.


خامسا: الموظفين الملحقين:
ويلحق بمؤسسة الوقف أيضا مجموعة من القائمين على الشؤون الدينية مثل الأئمة و الخطباء وكذلك القراء الحفظة والمؤذنين بالإضافة إلى بعض موظفي الخدمات كالقائمين على أوقاف العيون و الآبار و القنوات.
المطلب الثالث: تنظيم الوقف في العهد الاستعماري الفرنسي.
إن المستعمر الفرنسي وكأي معمر مغتصب قد ركز اهتمامه منذ دخوله إلى توطيد وجوده فكانت سياسته قائمة على الاستيلاء على الثروات العقارية بأنواعها وتشجيع الاستيطان الأوروبي داخل الجزائر، لذلك فقد وضع برنامجا للاستيلاء على الأملاك العقارية السائدة والتي كانت في معظمها لا تخرج عن الأصناف التالية( ):
- الأملاك الخاصة وكان أغلبها متواجد في شمال البلاد وتشمل الواحات وهي مملوكة برسوم ثابتة مكتوبة.
- الأملاك المشاعة (أراضي العرش) وكان يحكمها نظام عرفي خاص.
- أملاك البايلك وهي ما يطلق عليها في عصرنا أملاك الدولة وتخضع لسلطة الباي.
- الأملاك الوقفية وكانت مقسمة إلى أوقاف أهلية وأخرى خيرية تسيرها مؤسسات وقفية
وقد سعى المستعمر الفرنسي ومنذ دخوله إلى الأراضي الجزائرية بشتى الوسائل إلى الاستحواذ على أصناف من الملكيات العقارية بما في ذلك الأوقاف التي لم يفت المستعمر ملاحظة انتشارها الشديد خاصة في مدينة الجزائر حتى أن القنصل الفرنسي "فاليار" الذي تعرف على الجزائر عام 1781 م أكد على أن مؤسسة أوقاف الحرمين الشريفين تمتلك جل مساكن مدينة الجزائر و أغلب البساتين المجاورة لها( )، فكانت نظرة


المستعمر الفرنسي إلى الوقف على أنه أحد المشاكل العويصة التي تحد من سياسته في البلاد وتحول دون تطوره ونجاحه وهو ما دفع أحد الكتاب الفرنسيين إلى القول واصفا الأوقاف " بأنها تشكل أحد العوائق التي لا يمكن   التغلب عليها والتي تحول دون الإصلاحات الكبرى التي هي وحدها القادرة على تطوير الأقاليم التي أخضعتها أسلحتنا وتحويلها إلى مستعمرة حقيقية "( ).
وهكذا ومنذ الوهلة الأولى لدخول المستعمر الفرنسي للجزائر شرع في إصدار مجموعة من القوانين التي تهدف إلى تطبيق سياسته الاغتصابية فكانت سلسلة القوانين التالية:
- قرار مؤرخ في 08 ديسمبر 1830 يخول السلطلات العسكرية الفرنسية الحق في الاستحواذ على أملاك موظفي الإدارة التركية وبعض الأعيان وبعض الأوقاف التابعة لمؤسسة أوقاف الحرمين لولا أن الاحتجاج القائم من طرف رجال الدين وأعيان المدينة نظرا لانتهاك معاهدة تسليم الجزائر حال دون مصادرة أوقاف الحرمين.
- مرسوم مؤرخ في 07 ديسمبر 1830، يهدف إلى وضع الأوقاف العامة ضمن رقابة مصالح الأملاك العامة غير أن احتجاج رجال الدين أدى إلى فشل هذه المحاولة من جديد.
- " مخطط جيراردان " المدير العام لأملاك الدولة بتاريخ 25 أكتوبر 1832 الهادف إلى وضع الأوقاف تحت إشراف الإدارة الفرنسية وقد حظي هذا المخطط بقبول الإدارة الفرنسية وتم تطويره ليتحول إلى تقرير عن المؤسسات الدينية، هذا الأخير الذي هيأ عملية إشراف لجنة تتكون من وكلاء مسلمين تحت إشراف المقتصد المدني الفرنسي على الأوقاف، وتحولت بذلك إلى هذا الأخير سلطة التصرف بحرية في ألف وقفة سنة 1935 وكانت تلك أول خطوة تكتيكية لتصفية الملكية الوقفية.


- صدور قرار أول أكتوبر 1844 يلغي صفة المناعة عن الوقف وأصبح بذلك يخضع إلى جميع المعاملات التي تخضع لها الملكية العقارية وهو ما أدى إلى استيلاء المعمرين على أكثر الأوقاف والتي كانت تشكل ملكية واسعة خاصة في مدينة الجزائر كما سبقت الإشارة وذلك في شكل بيوع بين المسلمين والمعمرين( ).
- صدور مرسوم 30 أكتوبر 1858 يوسع الصلاحيات المنصوص عليها في القرار المؤرخ في أول أكتوبر 1844 ليخضع الأوقاف لقوانين الملكية العقارية المطبقة في فرنسا وسمح لليهود وبعض المسلمين بامتلاكها وتوارها( ).
- صدور قانون 26 جويلية 1873 المعروف بقانون (warnier) الذي كان يهدف إلى فرنسة الأراضي الجزائرية إذ نصت مادته الأولى على ما يلي: (إن تأسيس الملكية العقارية بالجزائر وحفظها والانتقال التعاقدي للممتلكات والحقوق العقارية مهما كان أصحابها تخضع للقانون الفرنسي) وما صدر هذا القانون إلا بهدف القضاء على الأحكام والأعراف المحلية السائدة خاصة منها أحكام الشريعة الإسلامية وهو جزأ من مخطط استعماري شامل يهدف إلى فرنسة الجزائر والشعب الجزائري.
وبذلك تمت تصفية الملاك الوقفية نهائيا وإلغاء تصنيف الملكية الوقفية من بين تصنيفات الملكية في النظام الفرنسي وتحول رصيدها الهائل إلى ملكية المعمرين واليهود وإلى ملكية الدولة.                
المطلب الرابع: تنظيم الوقف العام بعد الاستقلال.
 غداة إعلان الجزائر عن استقلالها رسميا بتاريخ 05 جويلية 1962 كانت الملكيات العقارية في الجزائر تنقسم إلى أربعة أصناف:


أملاك تابعة للدولة.
أملاك تابعة لمعمرين وأجانب.
أملاك تابعة للملكية الخاصة لبعض الجزائريين.
أملاك مشاعة تتمثل في أراضي العرش.
ولم يكن هناك ضمن أصناف الملكية العقارية تصنيف قانوني للملكية الوقفية بسبب تصفيتها من قبل الاستعمار كما سبقت الإشارة، أضف إلى ذلك أن معظم هذه الملكيات لا تتوافر على سندات مما جعل وضعية الملكية العقارية في الجزائر جد شائكة، زيادة على شغور عدة أملاك بسبب هروب بعض المستعمرين خوفا من انتقام الثورة من جرائمهم، ومحاولة البعض الاستيلاء عليها إما بعقود بيع حقيقية انتهازية كان أطرافها معمرين هاربين أو عقود تمت خارج الوطن أو محررات عرفية مدلسة على بعض المستعمرين.
وأمام هذه الوضعية حاولت الحكومة الجزائرية التدخل السريع من أجل إدراك هذه الوضعية ببعض التقنيات ولو انتقاليا، فصدر أولا كإجراء ضروري تقنين يقضي بتمديد العمل بأحكام القانون الفرنسي باستثناء ما يمس بالسيادة الوطنية وهذا بموجب القانون المؤرخ في 31-12-1962( ).
وبذلك كان يفترض أن يستمر العمل بكل القوانين الفرنسية التي استهدف فيها المستعمر الفرنسي تصفية الوقف لولا أنها كانت تمس مساسا صارخا بالسيادة الوطنية وبالشريعة الإسلامية المنظمة لأحكام الوقف ولولا أنه لم يعد هناك ملكية وقفية إلا ما ندر من المساجد والزوايا والكتاتيب والتي ظلت تمارس دورها رغم هيمنة المستعمر واستيلائه على أغلبية المساجد والمصليات، وبهذا أصبح الوقف دون تنظيم قانوني في هذه الفترة وهو الأمر الذي ساهم بشكل أو بآخر فيما يلي:


- غياب فكرة الوقف في المجتمع وبالتالي استيلاء البعض على الأوقاف دون أي شعور بالذنب وبدون الخوف من قانون رادع.
- تطبيق أحكام المرسوم 63-388 المؤرخ في 01-01-1963( ) المتعلق بتأميم المنشآت الزراعية التابعة للأشخاص المعنويين أو الطبيعيين الذين لا يتمتعون بالجنسية الجزائرية والذي يبطل كل العقود التي تكون مخالفة لأحكامه والذي يدمج بموجب المادة (9) منه الأملاك موضوع هذه العقود ضمن الأملاك الشاغرة، وبالتالي أصبحت بعض الأوقاف مما ينطبق عليها هذا الحكم.  
- تنفيذ أحكام المرسوم 63/88 المؤرخ في 18/03/1963( ) المتعلق بتنظيم الأملاك الشاغرة ووضع فترة شهرين للتصريح بشغور كل الأملاك التي هجرها أصحابها أو امتنعوا بالقيام بواجباتهم إزاءها كملاك وقد انتقلت هذه الأملاك الشاغرة إلى الدولة فيما بعد بموجب الأمر رقم 66-102 المؤرخ في 06-05-1966( ) وبذلك أصبحت العديد من الأوقاف ضمن ملكية الدولة لأن الكثير منها ينطبق عليها حكم الشغور بسبب عدم وجود هيئة قائمة آنذاك لاسترجاعها وإثبات تبعيتها للوقف بالإضافة إلى عدم وضوح الأوقاف من غيرها بسبب الخلط الذي تسبب فيه المستعمر بشأن الملكية العقارية في الجزائر.
وقد لاحظت الحكومة الجزائرية هذه الوضعية التي آلت إليها الأوقاف في غياب أي إطار أو تنظيم قانوني خاص بها فبادرت بإصدار أول تقنين جزائري متعلق بالأوقاف وهو المرسوم رقم 64-383 المؤرخ في
17-09-1964 المتضمن نظام الأملاك الحبسية العامة( ) والذي صدر من أجل تنظيم الأوقاف العامة واكتفى بالنسبة للأوقاف الخاصة بتعريفها بعد أن صنف الأملاك الوقفية إلى قسمين أحباس عمومية وأحباس خاصة، وقد استعمل المقنن الجزائري عبارة أحباس عمومية بدل الأحباس العامة وهو ما يوحي بفكرة تقريب مفهومها من الملكية العمومية بينما يبقى الوقف مجرد طابع قانوني لهذه الأملاك وهو ما يستوحي فعلا من نص القانون المذكور والذي كانت من أهم أحكامه ما يلي:
‌أ. حصر الأوقاف العمومية في ستة أنواع بموجب المادة الثانية والثالثة منه وهي:
- الأماكن التي تؤدى فيها شعائر الدين.
- الأماكن التابعة لهذه الأماكن.
- الأملاك المحبسة على الأماكن المذكورة (ربع هذه الأملاك يخصص لتكاليف تسيير الأماكن التي تؤدى فيها الشعلئر).
- الأوقاف الخاصة (المعقبة) التي لم يعرف من حبست عليهم.
- الأوقاف العمومية التي ضمت إلى أملاك الدولة والتي لم يجري تقويتها ولا تخصيصها.
- الأملاك التي اشتراها أشخاص طبيعيين أو معنويين باسمهم الشخصي أو التي وقفت عليهم بعدما اشتريت بأموال جماعة من المسلمين أو وقع الاكتتاب عليها في وسط هذه الجماعة أو خصصت تلك الأموال للمشاريع الدينية.
‌ب. تحديد بعض أحكام الوقف فيما يتعلق بأهدافه التي يجب أن توافق الصالح الوطني والنظام العام تحت طائلة بطلانها، وكذا أحكام تتعلق بأولوية صرف موارده في صيانته وحفظه، وأحكام تتعلق بتلاشي الوقف وتعويضه.
‌ج. إسناد إدارة الأوقاف العمومية إلى وزير الأوقاف وحده والذي له أن يفوض سلطاته للغير وإعطائه صلاحيات إلغاء وفسخ عقود الأكرية النافذة والخاصة بالأوقاف العمومية وصلاحيات تتعلق بتخصيص موارد الحبس حسب رغبة المحبسين.

‌د. إلزام الجمعيات والمنظمات المسيرة للأملاك الوقفية بأحكام هذا القانون وتسليم جميع العقود والمستندات والوثائق التي بيدها وكذا المبالغ وبالتالي التحول بتسيير الوقف العام إلى التسيير المركزي تحت إشراف وزير الأوقاف.
وعلى الرغم من هذه الأحكام السابقة فإن هذا المرسوم جاء رغم مواده الإحدى عشر خاليا من أحكام جادة، وعملية تستهدف الحفاظ على الوقف بتسطير آليات لإحصائه وجرده ثم استرجاعه، هذا بالإضافة إلى غموض في أحكام المرسوم بسبب غياب ما يرتكز عليه من تقنينات أساسية كالقانون المدني أو التجاري أو المتعلق بالأسرة في الجزائر وهي أسباب كانت كفيلة لبقاء هذا المرسوم حبرا على ورق.
وقد استمرت الأوقاف على هذه الوضعية حتى صدور الأمر رقم 71-73 المؤرخ في 08-11-1971 المتضمن الثورة الزراعية( ) والذي أدمج الراضي الزراعية أو المعدة للزراعة الموقوفة ضمن صندوق الثورة الزراعية، حيث نص على تأميم كل الأراضي الزراعية أو المعدة للزراعة والمؤسسة وقفا عموميا أو آلت نهائيا إلى الوقف العمومي ولم يستثني من ذلك إلا الأراضي التي تتبع المؤسسات المعتبرة كهيئة ذات مصلحة عامة أو نفع عمومي وهذا بموجب المادتين 34-35 منه.
وبذلك تم الاستيلاء على حجم هائل من الأوقاف العمومية وهو ما صعب عملية استرجاع الأوقاف فيما بعد وصعب عملية إثباتها واكتشاف معلمها بالإضافة إلى أن هذا القانون قد قلص من دور الوقف العام وأهميته مقابل تفعيل دور الأملاك الوطنية وتكريس الملكية الجماعية حسب النهج الاشتراكي السائد آنذاك.
وفي رأينا أن هذا القانون فيه مساس خطير بأحكام الشريعة الإسلامية، ومساس بالوقف العام وهو لم يختلف كثيرا عن التقنينات الفرنسية التي ساهمت جميعها في تصفية الأوقاف العامة والتقليل من دورها الإنساني


والحضاري وهو ما جعل فكرة الوقف تتراجع داخل المجتمع الجزائري، لاسيما في غياب أي مفهوم أو إطار قانوني للتصرفات الوقفية وهو الأمر الذي تأخر إلى غاية سنة 1984 تاريخ صدور قانون الأسرة 84/11 مؤرخ في: 09 يونيو 1984 والذي نظم أحكام الوقف في مواده من 213 إلى 220.
وقد صدر بموجب المادة 213 منه أول تعريف للوقف كتصرف حيث عرف الوقف بأنه " حبس المال عن التملك لأي شخص على وجه التأبيد والتصدق "، وما يلاحظ على هذه المواد من قانون الأسرة أنها نصت فقط على الوقف كتبرع من التبرعات وجعلت أحكامه مشابهة للهبة والوصية، وبذلك بقي الوقف العام محكوما بنصوص متناثرة ومتضاربة أحيانا ولم يحدد له مفهوم واضح ووجود قانوني يصنف بموجبه ضمن أصناف الملكية إلا بعد سنة 1990 وهذا من خلال صدور قانون التوجيه العقاري 90/25 المؤرخ في 18/11/1990، حيث صنفت المادة 23 منه الملكية العقارية على اختلاف أنواعها إلى ثلاثة أنواع:
- الأملاك الوطنية.
- الأملاك الوقفية.
- أملاك الخواص أو الأملاك الخاصة.
وهذه المادة تعتبر بمثابة أول إعلان لإخراج الملكية الوقفية وفصلها عن الملكية الوطنية وقد حاول هذا القانون من جهته تعريف الأملاك الوقفية بموجب المادة 31 منه كما نص في المادة 32 منه على إخضاع الأملاك الوقفية لقانون خاص وهو ما تجسد فعلا بموجب القانون 91/10 المؤرخ في 27
أفريل 1991 المتعلق بالأوقاف والذي خضع إلى تعديل أو بموجب القانون رقم 01-07 المؤرخ في 22 ماي 2001 ثم خضع لتعديل ثاني بموجب القانون رقم 02-10 المؤرخ في 14 ديسمبر 2002 وهو التعديل


الذي أخرج الوقف الخاص من دائرة أحكام قانون الأوقاف ليقتصر على تنظيم الوقف العام الذي استقر بموجب هذا القانون على هذه التسمية، وصدرت عدة نصوص تطبيقية لتطبيق هذا القانون أهمها:
- المرسوم التنفيذي رقم 91-81 المؤرخ في 23 مارس 1991 المتعلق ببناء المسجد وتنظيمه وتسييره وتحديد وظيفته( ).
- المرسوم التنفيذي رقم 91-82 المؤرخ في 23 مارس 1991 المتضمن إحداث مؤسسة المسجد( ).
- المرسوم التنفيذي رقم 98-381 المؤرخ في 01 ديسمبر 1998 يحدد شروط إدارة الأملاك الوقفية وتسييرها وحمايتها وكيفيات ذلك.
- المرسوم التنفيذي رقم 03-51 المؤرخ في 04 فبراير 2003 يحدد كيفيات تطبيق المادة 08 من قانون 91-10 المتعلق بالأوقاف( ).
وبذلك كان هذا القانون الأخير بداية نهضة للوقف في تاريخ التقنين الجزائري نظرا لأهمية الأهداف التي وضعها في اعتباره والتي أهمها:
- العمل على استرجاع الأوقاف واستردادها بما فيها الأوقاف التي ضمت إلى أملاك الدولة عن طريق الاستيلاء أو التأميم أو أي شكل من الأشكال.
- إيجاد استراتيجية متوافقة مع المتغيرات العصرية من أجل نماء الثروات الوقفية بواسطة الاستثمار.
- وضع قواعد حماية الأملاك الوقفية وإثباتها بإشراك المصالح المختصة في الدولة كالبلديات والمحافظات العقارية.


وهي الأهداف ذات الأهمية البالغة والتي قد تذلل كل الصعوبات والعراقيل الواقعة في سبيل تجسيدها من خلال المشروع الذي ما تزال الجهود تبذل لتحقيقه في أرض الواقع.    
خاتمـة الفصل:
يعرف الوقف بأنه حبس العين والمال على وجه التأبيد والتصدق بمنافعهم على الفقراء والمساكين والمرضى وغيرهم، ومن خصائصه أنه تصرف انفرادي تبرعي وإرادي، تتجلى أهميته في مقاصد إنسانية واقتصادية واجتماعية كما تحكمه شروط وأركان وينقسم إلى أقسام وأنواع، كما أن التطور التاريخي للوقف في الجزائر مر عبر مراحل بداية من العصر الإسلامي الذي شهد ظهور الوقف تم تطور في عهد الدولة العثمانية أين سخرت هيئات وأجهزة خاصة لتسيير، تعتبر وسيلة لحماية الممتلكات والأراضي التابعة للجزائريين من نصب واحتيال المستعمر الفرنسي إذ كانوا يهبوها للأوقاف حتى لا تسلب منهم.
أما فترة ما بعد الاستقلال فإنها عرفت وتيرة محتشمة للنهوض باستثمار الأملاك الوقفية ولم تولي لها الدولة أهمية كبيرة.


المبحث الأول: أساسيات حول الاستثمار.
المطلب الأول: ماهية الاستثمار.
الفرع الأول: مفهوم الاستثمار.
تعددت تعاريف مصطلح الإستثمار بسبب أهميته وأهدافه ومدى تركز الخطط عليه ونظرا لتعدد وجهات نظر الأفراد وتعدد المدارس التي ينتمون إليها، فقد عرّف:
" لامبارت " (Lambert): الاستثمار هو عبارة عن شراء منتوجات وسيطية من أجل إنتاج وتكوين منتوجات نهائية( ).
" قيطون " (Guitton): الاستثمار هو تطوير وزيادة أدوات ومعدات الطاقة الموجودة وهو عبارة أيضا عن تضحية لضمان المستقبل، إذن هو نقطة التحكم والفصل بين الحاضر و المستقبل( ).
" كينز " (Kinse): الاستثمار هو تلك الأموال المخصصة لإنتاج الآلات و المعدات و المباني وكذلك الموال المخصصة لزيادة المخزون( ).
ومن التعاريف السابقة يمكن استخلاص تعريف عام للاستثمار: " فهو سلسلة من المصروفات والمداخيل إنطلاقا من نفقة ابتدائية، حيث تتبع هذه النفقة بتكاليف من أجل الحصول على إيرادات في المستقبل وحتى نتمكن من الاستثمار يجب من تخصيص الأموال الضرورية اللازمة لذلك.  



الفرع الثاني: أهمية الاستثمار.
يحضى الاستثمار بأهمية بالغة لا يمكن تقييمها أكثر من أنه يشكل العمود الفقري و أنه الدعامة والركيزة الأساسية لأي اقتصاد كان. ولهذا فإن أهميته تتعدى الجانب الاقتصادي إلى جوانب أخرى التي تحيط بالمجتمع كالجانب الاجتماعي مثلا و الجانب الثقافي.
وإذا تطرقنا إلى أهميته الاقتصادية نصل إلى أن تأثيره حقيقي وحساس للغاية، بحيث أن الاستثمار يعطي للاقتصاد الوطني فرص حقيقية للتنمية، وذلك من خلال توسع السوق الداخلية و الخارجية، حيث أن ارتفاع الاستثمار يؤدي إلى الزيادة في إنتاج السلع و الخدمات وهذا ما يتيح فرص التصدير ومنه توازن ميزان المدفوعات وهذا يعني رفع رصيد الدولة من العملة الصعبة، الشيء الذي يتيح فرصة إقامة مشاريع استثمارية إضافية في مجالات أخرى ( ومنه تحقيق ما يسمى بالانتعاش الاقتصادي ) عن طريق معجل الاستثمار.
أما إذا ركزنا على الجانب الاجتماعي فيكفي عرض فرص جديدة للعمل و التقليل من البطالة لترقية المجتمع ( رفع مستوى دخل الأفراد، وتحسين المستوى الاجتماعي، الصحة، التعليم،...).
بسبب هذه الخصائص التي يمتاز بها الاستثمار انتهجت الدولة سياسة فتح المجال أمام الإستثمار وتطويره ومنحه إمتيازات جدية وشجعته من كل الجوانب( ).
الفرع الثالث: دوافع الاستثمار.
إن المؤسسة تقوم بعملية الاستثمار لعدة دوافع يمكن ذكر أهمها فيما يلي:
من أجل تلبية الطلب المتزايد على منتوجاتها فتقوم بزيادة الإنتاج وتغطية هذا الطلب.


المحافظة أو رفع حصتها في السوق وذلك بعدم السماح لمنافسي المؤسسة باستغلال هذه الحصص عن طريق الاستثمار.
تحسين نوعية الإنتاج حيث أنه إلى جانب الإنتاج الكمي للمؤسسة، لابد من تحسين نوعية هذا الإنتاج حتى يكون مقبولا أو مفضلا من طرف الزبائن.
تخفيض تكاليف الوحدة المنتجة وذلك من أجل تخفيض سعر البيع لجلب أكبر زبائن عن طريق التخلي عن كل الوسائل المكلفة والتكاليف الزائدة وذلك بمتابعة التقدم التكنولوجي واستعمال أحسن للوسائل المتوصلة إليها للوصول إلى أكبر إنتاج بأقل التكاليف( ).
الفرع الرابع: مقومات الاستثمار.
من خلال التعاريف المختلفة للاستثمار يمكن استخراج أهم المقومات التي يبنى عليها الاستثمار وهي:
أولا: الأموال.
وهي المحرك الأساسي للاستثمار، وتتعدد مصادر الحصول عليها، فوائض الدخول، القروض الخارجي، وأرباح المحجوزة، والاحتياطيات... وغيرها من المصادر.
ثانيا: المستثمرون.
وهم الأفراد أو المؤسسات التي تقبل قدرا من المخاطرة لتوظيف الأموال المتاحة مقابل تحقيق أهداف معينة أهمها تحقيق أرباح تتمثل في عوائد الاستثمار.




ثالثا: الأصول.
وهي الاستثمارات التي يوظف فيها المستثمر أمواله وتتمثل في العقارات والمشروعات الاقتصادية والأوراق المالية... وغيرها من الاستثمار( ).
رابعا: الهدف من الاستثمار.
أي النتائج التي يرمي إليها المستثمر من خلال تخليه عن الإنفاق الحالي للأموال وتوظيفها.
خامسا: المخاطر المصاحبة للاستثمار.
فالاستثمار لا يخلو من المخاطر فهو مبني على متنبئات بالمستقبل في ظل ظروف اقتصادية مختلفة تحيط بالنشاط والتي يمكن أن تتغير في أي وقت.
المطلب الثاني: مجالات الاستثمار.
يجب أن نفرق بين نوعين من الاستثمار على حسب نوعية المجال الذي تنتمي إليه إيراداتها وهي:
الاستثمار في تكوين رأس المال.
الاستثمار لإضافة مخزون سلعي.  
و التفرقة بين هذين النوعين على جانب كبير من الأهمية في مجال التخطيط للاستثمار، لأن المقصود بالاستثمار كوسيلة للتنمية هو الاستثمار في تكوين رأس مال ثابت وليس الإضافة إلى المخزون السلعي ويرجع ذلك إلى أن كل إضافة إلى المال الثابت تؤدي إلى إنشاء طاقة إنتاجية جديدة، ولزيادة الفهم نتطرق إلى هذين النوعين بقليل من التفصيل.


أولا: الاستثمار في تكوين رأس مال ثابت:
‌أ. تكوين رأس مال ثابت يولد زيادة مباشرة في الطاقة الإنتاجية. ومن أمثلة هذا النوع المباني، الآلات و الأجهزة، ...إلخ. وهذا الاستثمار هو المطلوب.
‌ب. تكوين رأس مال ثابت يولد زيادة غير مباشرة في الطاقة الإنتاجية. و من أمثلة هذا الاستثمار بناء السدود و تشييد الطرق،.. إلخ، وعلى الرغم من أن هذا النوع من الاستثمار يولد زيادة مباشرة في الطاقة الإنتاجية إلا أنه استثمار مرغوب فيه، لأنه يساعد على توسيع الطاقة الإنتاجية في الفروع المختلفة للنشاط الإقتصادي، وبعبارة أخرى فإن المشروعات التي تدخل في إطار هذا النوع من الاستثمار تعتبر ضرورية لخلق القيمة المضافة في المشروعات الأخرى( ).
ثانيا: الاستثمار لإضافة مخزون سلعي.
وهناك نوعان:
أ. إضافة اختيارية:
هو المخزون الذي تحتفظ فيه الوحدات الإنتاجية لأغراض التشغيل سواء كان صناعي أو تجاري، على أن تقوم هذه الوحدات بالسحب منه أو الإضافة إليه حسب الأحوال الاقتصادية. حيث نجد في المؤسسات الصناعية يكون الغرض من المخزون السلعي الاختياري هو تسهيل العمليات الإنتاجية وضمان استمرارها دون توقف بحيث تكون جميع مستلزمات الإنتاج معدة للتشغيل.
أما في المنشآت التجارية يكون الغرض من المخزون السلعي الاختياري هو تسهيل عمليات التجارة حتى يتمكن جميع المتعاملين التجاريين من تسليم السلع إلى العملاء فور تلقي طلباتهم.

ب. إضافة إجبارية:
هو الذي ترغب فيه الوحدات الإنتاجية، نتيجة خطأ تحديد حجم الإنتاج أو حجم الطلب على المنتجات، وتجد المؤسسة نفسها عاجزة عن تصريف جزء من إنتاجها فتضطر إلى إيداعه في المخازن، وهذا الإيداع يدل على الإسراف وتبديد موارد المجتمع، وقد يكزن المخزون السلعي بدافع المضاربة، فقد يحدث أن تقوم بعض الوحدات باحتجاز جزء من الموارد المتاحة في فترة معينة توقعا لارتفاع الثمن في فترة مقبلة، مما يسمح من تحقيق أرباح، وهو استثمار غير مرغوب فيه.
وبعد استعراضنا الصور المختلفة لمجالات الاستثمار نستطيع أن نحدد الاستثمارات المسموح بها على النحو التالي:
الاستثمارات التي تدخل في تكوين رأس مال ثابت، سواء كانت في مشروعات ذات إنتاجية مباشرة و غير مباشرة.
الاستثمارات التي تدخل لإضافة مخزون سلعي الاختياري لغرض التشغيل.
المطلب الثالث: أنواع وخصائص الاستثمار.
يتم الفصل بين الأنواع المختلفة للاستثمارات حسب معايير تأخذ بعين الاعتبار الإطار الذي يتم فيه تنفيذ الاستثمار وطبيعة الأصول المستعملة في ذلك ومن هذه المعايير ما يلي:
التصنيف حسب الموقع الجغرافي للاستثمار.
التصنيف حسب الهدف من الاستثمار.
التصنيف حسب مدة الاستثمار.
التصنيف حسب نوع الأصل محل الاستثمار.

التصنيف حسب طبيعة الاستثمار.
الفرع الأول: أنواع الاستثمار.
أولا: التصنيف حسب الموقع الجغرافي للاستثمار.
ووفقا لهذا المعيار تقسم الاستثمارات إلى استثمارات محلية واستثمارات خارجية( أجنبية).
أ. الاستثمارات المحلية.
وهي الاستثمارات الناتجة عن توظيف الأموال في السوق المحلية من قبل أشخاص طبيعة أو معنوية بغض النظر عن نوع الأدوات المستعملة في النشاط الاستثماري و مصادره التمويلية.
ب. الاستثمارات الخارجية.
وتشمل كل الاستثمارات التي تقوم على رؤوس الأموال المهاجرة من البلاد المستثمر إلى بلدان المضيفة للاستثمار( ).
وتتم هذه الاستثمارات على اختلاف الأدوات المستعملة فيها بشكل مباشر، إذ تكون مباشرة في شكل شركات أو فروع مؤسسات تنشأ في البلد المضيف للاستثمار، أو قيام المستثمرين المحليين شراء عقارات أو حصص في شركات أجنبية، ويكون الاستثمار غير مباشر للبلد المصدر لرأس المال عن طريق مؤسسات مالية دولية وغيرها، والتي تقوم باستثمار هذه الأموال في مشروعات استثمارية في شتى دول العالم كتقديم القروض مثلا: ومثال هذا النوع سلسلة فنادق shiraton المنتشرة عبر أنحاء العالم.
ثانيا: التصنيف حسب مدة الاستثمار.
وتقسم إلى :

أ. الاستثمار القصير الأجل.
هي الاستثمارات يتم انجازها في مدة تقل عن سنة أو سنتين وتتخذ عدة أشكال : كالودائع الزمنية، الأوراق المالية التسهيلات الائتمانية قصيرة الأجل. ويتسم هذا النوع من الاستثمارات بقلة خطورته وسهولة تحويله إلى نقدية سائلة في وقت قصير.
ب. الاستثمارات متوسطة الأجل.
ويتم إنجازها في فترة لا تقل عن سنتين ولا تزيد عن سبع سنوات.
ج. الاستثمارات طويلة الأجل.
وهي استثمارات يتم إنجازها في مدة تفوق سبع سنوات، وتشمل الأصول والمشروعات الاقتصادية التي تنشأ لتشغيلها لمدة طويلة كالمشروعات العقارية التي لا تؤسس بقصد البيع الفنادق، المصانع...
ويتميز هذا النوع من المشروعات الاستثمارية بتحقيق دخل سنوي مستمر للمستثمر وأرباح رأسمالية تتحقق على المدى الطويل، كما تتسم بالمخاطر عدم التأكد الذي يفرضه طول زمن الاستثمار.
ثالثا: التصنيف حسب الهدف من الاستثمار.
وتقسم إلى:
أ. الاستثمارات التوسعية( ).
ويكون الغرض منها توسيع الطاقة الإنتاجية والبيعية للمؤسسة وذلك بإدخال أو إضافة منتجات جديدة وزيادة الإنتاج من أجل توسيع مكانتها في السوق وزيادة قدراتها على المنافسة عن طريق خفض كلفة الإنتاج


وكمثال نأخذ شركة sonatrach التي تعمل على التوسع من خلال حفر آبار بترولية جديدة في الصحراء الجزائرية أو في دول أخرى.
ب. الاستثمارات الإستراتيجية( ).
تهدف إلى المحافظة على بناء واستمرار المشروع المستثمر لأغراض إستراتيجية قد تكون نسبة معينة من حجم إيرادات أشكال هذه الاستثمارات شراء كمية كبيرة من احتياطي سلعة معينة في ظروف معين لطرحها مستقبلا في الأسواق في الوقت المناسب.
هذه الاستثمارات تخلص الدولة من الهيمنة الأجنبية والضغوط عليها، نتيجة اعتمادها على منتجات هذه الدولة (سلاح الغذاء، سلاح البترول...إلخ.).
ج. الاستثمار في مجال البحث و التطوير.
ويكتسب أهمية خاصة في المشروعات الصناعية الأكثر عرضة للمنافسة، حيث يهدف إلى تقليل التكاليف وتحسين النوعية بتكثيف الآلية وتطوير الجهاز الإنتاجي وبالتالي مواجهة المنافسة في السوق.
ملاحظة: يمكن لاستثمار معين أن يجمع ما بين عدة أغراض في آن واحد كالاستثمارات التوسعية فقد تؤدي أيضا إلى تحقيق أغراض إستراتيجية وخدمة مجال البحث والتطوير.
رابعا: التصنيف حسب نوع الأصل محل الاستثمار( ).
وعلى هذا الأساس تصنف الاستثمارات إلى:



أ. استثمارات حقيقية.
يعتبر الاستثمار حقيقيا إذا تم توظيف الأموال في حيازة الأصول الحقيقية، ويعرف الأصل الحقيقي بأنه كل أصل له قيمة اقتصادية ويترتب على استخدامه منفعة اقتصادية إضافية تظهر على شكل سلعة أو في شكل خدمة تزيد من ثروة المستثمر ومن ثم ثروة المجتمع وذلك بما تخلفه من قيمة مضافة، والاستثمارات الحقيقية تشمل جميع أنواع الاستثمارات ما عدا الاستثمار في الأوراق المالية ومن أمثلتها المشاريع الاقتصادية، العقارات، الذهب، السلع..الخ. حيث الاستثمار فيها يؤدي إلى زيادة الدخل القومي ويساهم في تكوين رأس المال في الدولة.
ب. الاستثمارات المالية.
يتمثل الاستثمار في سوق الأوراق المالية في حيازة المستثمر لأصل مالي غير حقيقي يتخذوا شكل حصة في رأس مال شركة أو سند ، أو أذن خزينة...الخ، ويتمثل هذا الأصل المالي حقا ماليا لحامله حق المطالبة بالأرباح أو الفوائد و الحقوق الأخرى بشكل قانوني وعملية تداول الأوراق المالية في السوق الثانوي لا ينشأ أي منفعة اقتصادية إضافية أو قيمة مضاعفة للناتج القومي رغم التغيير في أسعار التداول إلى إذا كان إصدارا لأسهم بهدف تمويل عملية مشروع محتملة فهي تمثل استثمارا حقيقيا وهذا ما يحقق قيمة إضافية.
خامسا: التصنيف حسب طبيعة الاستثمار.
أ. الاستثمار المادي.
ويعبر عن موجودات المؤسسة في الأصول المادية كالآلات ،المعدات ،العقار...الخ، والمستعملة في النشاط.


ب. الاستثمار البشري( ).
يعتبر توظيف شخص ذو كفاءة معينة في مشروع معين نوعا من الاستثمار باعتبار أن ما يقدمه من خدمات لمصلحة منشأته يؤدي إلى زيادة أرباحها وإنتاجيتها ويعتبر ذلك أكبر بكثير من كلفته على المنشأة ونفقات تدريب العاملين وتأهيلهم تعتبر نوعا من الاستثمار في المجال البشري.
الفرع الثاني: خصائص الاستثمار.
إن لكل مشروع استثماري خصائص يتميز بها عن باقي الاستثمارات الأخرى و التي تستطيع من خلالها تعريف المشروع و القيام بدراسته و تتمثل فيما يلي:
أولا: نفقات الاستثمار.
يقصد بالنفقات الأولية للاستثمار كل التكاليف الاستثمارية اللازمة لإنشاء المشروع الاستثماري التي تنفق مع بداية المشروع إلى أن يصبح هذا الأخير يحقق تدفقات نقدية، و تتضمن النفقة الأولية لاستثمار عدد كبير من النفقات نلخصها فيما يلي:
أ. النفقات المتعلقة بالدراسات التمهيدية للمشروع الاستثماري:
وهي كل النفقات التي تنفق قبل انطلاق المشروع.
ب. النفقات الملحقة للشراء:
كنفقات النقل، التركيب، التأمين، التخزين، التجارب، تدريب العمال...إلخ، التجهيزات المادية وتدخل فيها كل النفقات المتعلقة بالشراء للأصول الثابتة من أراضي، مباني، معدات، آلات، وهي تمثل الجزء الأكبر من تكلفة المشروع.

ثانيا: مدة حياة المشروع.
تعتبر مدة الاستثمار من البيانات الهامة و الأساسية للوصول للقرار الاستثماري، بحيث تقدر هذه الفترة قبل بداية المشروع بحساب الفترة التي يكون فيها المشروع يحقق تدفقات نقدية.
نستطيع الاستناد في تحديد مدة حياة الاستثمار على هذه الحياة المادية لمختلف الوسائل، أو التركيز على دورة حياة المنتوج الاقتصادية للمشروع.
ثالثا: الإيرادات الصافية " التدفقات النقدية ".
نقصد بالتدفقات النقدية للمشروع ذلك الفرق بين تنبؤات المدخلات و المخرجات للخزينة، والمسجلة من حساب المشروع المدروس، حيث أن هذه الأخيرة (المدخلات، المخرجات) لا بد أن تعبر عن النفقات و الايرادات الحقيقية طول حياة الاستثمار، بمعنى آخر أن تكون هذه النفقات النقدية ترجمة لحركة الأموال ما بين المؤسسة و المحيط الخارجي وليس بين النتائج و التكاليف بالمفهوم المحاسبي، فالإهتلاك يعتبر تكلفة محاسبية لا يمكن اعتباره نفقات حقيقية كونه لا يعبر عن خروج أموال من الخزينة، و بالتالي فإن مفهوم التدفقات النقدية يقوم على مفهوم الربح الاقتصادي، أي اعتبار التدفقات الحقيقية الداخلة و الخارجة من الخزينة، و ليس على الربح المحاسبي.
إذن التدفقات النقدية للمشروع هي عبارة عن التغيرات الصافية بين الإيرادات و النفقات الحقيقية للمشروع الاستثماري.
المطلب الرابع: القرار الاستثماري.
ينصب اهتمام متخذي القرارات الاستثمارية على كيفية توظيف الأموال المتاحة التوظيف الأفضل بهدف الحصول على العوائد الملائمة لمستوى المخاطرة التي تتعرض لها هذه الأموال عند توظيفها.

والقرار الاستثماري هو اختيار أحد البدائل المتاحة الملائم وتحقيق أهداف المستثمر بالاعتماد على معلومات وتحليلات لمختلف العوامل الخاصة بكل بديل كعامل المخاطرة المتعلق بطبيعة الأصل المستثمر فيه ومعدل العائد المتوقع من البديل ومقارنته بالعائد المرغوب فيه.
الفرع الأول: مبادئ اتخاذ القرار الاستثماري:
بجدر بمتخذ القرار الاستثماري أن يراعي مبادئ ومعايير لكي يتمكن من الاختيار بين بدائل الاستثمار المتاحة وهي:
أولا: مبدأ الاختيار.
يجب على المستثمر مراعاة تعدد البدائل الاستثمارية المتاحة له لتوظيف مدخراته وحصر هذه البدائل وجمع مختلف المعلومات حولها ليتمكن من الموازنة بينها و المفاضلة لاختيار الأكثر تلاءما مع تحقيق أهدافه وتعدد الفرص الاستثمارية المتاحة أمام تساهم في اتخاذ القرار المناسب وفي حالة نقص الخبرة لدى المستثمر يمكنه استخدام خبراء اقتصاديون يساعدون على اتخاذ القرارات.
ثانيا: مبدأ الملائمة.
وهو من أهم المبادئ التي يطبقها المستثمر عندما يقوم باختبار نوع الاستثمار الذي يوظف به أمواله مع ما يلاءم رغباته وظروفه الخاصة. حيث يقوم هذا المبدأ على أساس أن لكل مستثمر نمط تفضيل يحدد درجة اهتمامه بالعناصر الأساسية لقرار الاستثمار وهي العائد والتكلفة على الاستثمار ودرجة المخاطرة الملازمة له ومستوى سيولة الاستثمار( ).


وكذلك بالنسبة للمؤسسات المالية فهي الأخرى تبحث عن الاستثمارات التي تلاؤم وميولها الاستثمارية فشركات التأمين على الحياة مثلا باعتبار أن التزاماتها في الغالب طويلة الأجل توجه استثماراتها في الغالب نحو الأدوات الاستثمارية طويلة الأجل والتي تعود بالعائد مرتفع نسبيا على الاستثمار( ).
ثالثا: مبدأ التنويع.
يلجأ المستثمرون إلى تنويع أدوات استثمارهم لتخفيض مستوى مخاطره إلى حدود معقولة.
رابعا: مبدأ الرشاد.
حيث يشترط في متخذ القرار أن يبحث عن كيفية توظيف الموارد المتاحة بأحسن شكل ممكن يضمن تحقيق الأهداف من خلال اختيار أحسن البدائل.


المبحث الثاني: المفاهيم الأساسية للمشروع الاستثماري.
المطلب الأول: مفهوم المشروع الاستثماري.
المشروع باعتباره وحدة اقتصادية استثمارية تمثل عمل متكامل له أهداف واضحة ومحددة، كما له بداية ونهاية، وقد تعددت الآراء والتعريفات المقدمة له، ومن أهمها:
" المشروع الاقتراح بتخصيص قدر من الموارد في الوقت الحاضر يستخدم في خلق طاقة إنتاجية جديدة أو إعادة تأهيل طاقة إنتاجية قائمة، أو توسيعها بهدف الحصول على منفعة صافية من تشغيلها في المستقبل عبر فترة زمنية طويلة نسبيا "( )، كما عرفه chenet على أنه " مجموعة المساهمات المثلى ذات الطابع الاستثماري والقائمة على أساس تخطيط قطاعي متكامل، الذي يمكننا من استغلال الموارد البشرية والمادية والتي تؤدي بدورها إلى تحقيق التطور الاقتصادي والاجتماعي "( ).
وبصفة عامة يمكننا أن نعرف المشروع بأنه اقتراح بإنشاء كيان جديد ينمو ويترعرع ويكبر...إلخ.، ذو شخصية اعتبارية في صورة مؤسسة أو لتقديم سلعة أو خدمة جديدة أو التوسع في سلعة أو خدمة حالية أو التحول من سلعة أو خدمة إلى سلعة أو خدمة أخرى، وذلك لإشباع عدد من الحاجات المادية.
المطلب الثاني: خصائص المشروع الاستثماري.
كل مشروع استثماري يتميز بعدة خصائص من أهمها:
الفرع الأول: حجم المبلغ المستثمر.
وهو يعبر عن التكلفة الإجمالية للمشروع حسب طبيعته فإذا كان مشروع كبير فيتطلب أموال ضخمة والعكس صحيح.

الفرع الثاني: التدفقات النقدية.
ويقصد بها إيرادات المشروع وتكاليفه، حيث يعتبر التنبؤ بإيرادات المشروع الاستثماري أكثر صعوبة وذلك يرجع إلى أن إيرادات المشروع تتوقف على عوامل وظروف لا تتحكم فيها إرادة المشروع.
الفرع الثالث: العمر الاقتصادي.
وهو الفترة التي يكون فيها تشغيل المشروع فيها اقتصاديا ويحقق عائدا، فالعمر الاقتصادي للمشروع يتأثر بكل من عامل الاستهلاك المادي للأصل من حيث تناقص في إنتاجية المشروع، وبالتالي انخفاض في إيراداته أو زيادة في تكاليفه الصيانة كما أنه يتأثر بالتقادم الذي يحدد نتيجة تحول الطلب من المنتجات الحالية إلى منتجات أخرى قد تسبب في انخفاض الإيرادات أو نتيجة ظهور وسائل أخرى أفضل للإنتاج.
الفرع الرابع: المخاطرة.
كل مشروع استثماري قبل أن يتم المشروع في انجازه يتميز بالمخاطرة هذه الأخيرة يمكن تقسيمها إلى فترة التأكد أين يمكن تقييم الأشياء بوضوح أو فترة عدم التأكد تتميز بنوع من الغموض، وأخيرا فترة المستقبل المجهول وتكون فيها المخاطرة فيها تامة.
المطلب الثالث: أهداف المشروعات الاستثمارية.
يعتبر تحديد الهدف المراد تحقيقه من المشروع هي النقطة المحورية التي تحدد نقطة الانطلاق في تحليل دراسات الاقتصادية للمشروع والأوزان النسبية لمعايير تقيمه ومن هذا النطق تختلف أهداف المشروعات الخاصة عن المشروعات العامة، ومنذ البداية نشير أن هذا أدى إلى وجود معايير لتقييم الاستثمار في المشروعات من جهة نظر المستثمر الفرد الذي يعظم مصلحته الذاتية ومعايير للتقييم من جهة نظرا للاقتصاد القومي التي تعظم المصلحة العامة، وفي هذا الإطار تنقسم أهداف المشروعات الاستثمارية إلى مجموعتين من الأهداف:

الفرع الأول: الأهداف الخاصة.
حيث تشير النظرية الاقتصادية إلى أن الهدف الرئيسي من إنشاء المشروعات الخاصة هو تحقيق أقصى ربح ممكن.
والمقصود بالربح هنا هو " صافي الربح الناتج عن المقابلة بين الإيرادات والتكاليف الخاصة بالمشروع، وقد يخطط للربح وتعظيمه في الأجل القصير ولكن معظم المشروعات في عالم اليوم تخطط للربح على المدى الطويل.
بالإضافة إلى تحقيق أقصى ربح هناك أهداف أخرى يتم السعي إلى تحقيقها هي:
- الاحتفاظ بدرجة سيولة مناسبة.
- تعظيم أو زيادة الإيرادات ومن ثم تنمية الأرباح.
- الاحتفاظ بسمعة حسنة وتحسين المركز النسبي في السوق.
- تحقيق أكبر قدر ممكن من المبيعات وكسب سوق خارجي.
- تعظيم الصادرات.
- تحقيق البقاء والاستمرار في عالم الأعمال.
- وقد تسعى المشروعات الخاصة إلى تحقيق أهداف اجتماعية من منطلق مسؤوليتها الاجتماعية اتجاه الاقتصاد القومي الذي تعمل فيه وتكتسب رضا العملاء والقائمين على صناعة القرار.




الفرع الثاني: الأهداف العامة.
يكون الهدف المسطر في المشروعات العامة هو تحقيق الأهداف العامة للاقتصاد القومي والمصلحة العامة للمجتمع وتعظيم المنفعة العامة الا أن هذا الهدف ليس الوحيد للمشروعات العامة و بالتالي هناك أهداف أخرى رصدها لذلك المشروعات وتأتي في مقدمتها:
- تحقيق الربح إذا تطلب نشاط المشروع أن يحقق الربح حتى يضمن الاستمرار والبقاء في دنيا الأعمال.
- قيام بعض المشروعات بهدف الأمن القومي للدولة مثل صناعة الأسلحة والذخائر أو لاعتبارات اقتصادية قومية لإنشاء مجموعة الدول المنتجة للبترول معامل أو مصانع لتكريره.
- قيام بعض المشروعات العامة ببيع منتجاتها بأقل من التكلفة لاعتبارات اجتماعية كما في الخبز و الأدوية.
- قد يكون الغرض من إنشاء الدولة لمشروعات إنتاجية هو الحصول على موارد مالية لتمويل نفقاتها بدلا لالتجائها لفرض ضرائب جديدة.
- مشروعات المنافع العامة التي تنتج الخدمات الأساسية مثل النقل والمواصلات والكهرباء...الخ.
المطلب الرابع: أسباب إقامة المشروع.
إن تعدد أسباب ودوافع إقامة المشروعات قد ترجع إلى أسباب متعلقة بالبيئة المحيطة بالمشروع وقد ترجع لأسباب سياسة أو اقتصادية أو تنموية.
الفرع الأول: الأسباب المتعلقة بالبيئة أو الظروف المحيطة بالمشروع.
قد يكون الهدف من إقامة المشروع نابعا من احتياجات البيئة نفسها ومن ثم فان ما تحتاج إليه بيئة معينة قد لا تحتاج إليه بيئة أخرى في نفس الدولة، وما يعد مشروعا فعالا بالنسبة لدولة متقدمة قد لا يحتل نفس الأهمية بالنسبة لدولة نامية (ونعني بذلك أن ليس من المنطقي أن يقوم بلدا يعاني من عجز في غذائه بتوجيه


موارده المحدودة لإنتاج أجهزة الفيديو، كما أن إقامة مشروعات للترفيه في البلدان المتقدمة يكون أكثر فعالية من بلدان النامية) ونجاح أي مشروع في دولة ما لا يعني نجاحه في دولة أخرى. وذلك لتباين الوسائل التنظيمية اللازمة لإدارة المشروع واختلاف المناخ الذي يحيط به.
الفرع الثاني: الأسباب السياسية.
تسعى الدولة إلى تنفيذ العديد من المشاريع دون التأني ودون القيام بالدراسات اللازمة مما يعرضها أحيانا كثيرة إلى إهدار أموالها، وقد يكون ذلك مدفوعا بقرارات سياسية محصنة كأن تمنع الدولة الاستيراد من الخارج نتيجة تفكك علاقاتها الخارجية.
الفرع الثالث: الأسباب الاقتصادية.
تسعى الدولة إلى إحداث توازن قطاعي وذلك ضمانا للتنسيق بين الأنشطة الاقتصادية المختلفة التي تربط بها المشروع، والتي تكون بدورها دافعة لإقامة العديد من المشروعات التي في ترسيخ أبعاد هذا التناسق، ويكون  الباحث أيضا لإقامة المشروع الربحية.
الفرع الرابع: الأسباب التقنية الفنية.
ونقصد بها تلك الأسباب المتعلقة بالتكنولوجيا، حيث يكون الدافع وراء إقامة المشروع هو استغلال تكنولوجيا معينة، لتطوير المنتج النهائي، وتوفير الوقت والجهد المبذولين لكون طبيعة التكنولوجيا التي يطبقها المشروع تؤثر على مجموعة التصرفات داخل المنشأة.
المطلب الخامس: أسباب تحفيز الأنشطة الاستثمارية.
نظرا للأهمية التي يلعبها الاستثمار في إقتصاديات الدول عمدت هذه الأخيرة عبر نظم اقتصادية معينة


إعطاءه أهمية كبيرة وذلك بمنح دفع وتحفيزات عديدة قصد جلب رجال الأعمال وتشجيعهم على توظيف أموالهم، ومن أهم هذه التحفيزات، الإمتيازات الضريبية التي قد يستفيد منها المستثمر، على اختلاف أشكال فيمكن أن يتجسد هذا النوع من التحفيز في عدة أوجه وهي:
في حالة المشاريع الاستثمارية الجديدة أو توسيع القدرات الإنتاجية وإعادة الهيكلة في مختلف الأنشطة الخاصة بإنتاج السلع والخدمات، الصناعية، الزراعية، الخدماتية.
يعفى المشروع من:
- الضريبة العقارية أي الضريبة على المباني ومرافق المشروع.
- الأعفاء من الرسم على القيمة المضافة على السلع والخدمات المكونة للمشروع لاستثماري.
- تخفيض الحقوق الجمركية على السلع المكونة لإنجاز المشروع.
خاتمـة الفصل:
إن الاستثمار باعتباره أداة فعالة للنهوض بالاقتصاد الوطني تعتبر من أهم الموضوعات الحساسة في عصرنا هذا لأنه يشكل العصب الحيوي لاقتصاديات الدول ومهما اختلفت أنواعه ومجلاته فإن أهدافه تبقى متميزة وهادفة إلى تحقيق التطور والنمو في المجتمعات.
وبالتالي كان لزاما على أي دولة تريد النهوض باقتصادها أن تعطي أهمية بالغة للإستثمار حتى تواكب ركب التقدم وتحاول بناء اقتصاد قوي يعتمد على كل مقومات عناصر الإنتاج.

المبحث الأول: الصيغ التقليدية لاستثمار الوقف وتقييمها اقتصاديا.
إن الدراسة المتأنية واستقراء التراث الفقهي حول ما يتعلق باستعمال الأملاك الموقوفة والتصرف بها يجعلنا نقف على طريقتين في الاستثمار والتنمية، وهما:
الطريقة الأولى: استبدال الوقف.
الطريقة الثانية: إجارة الوقف.
المطلب الأول: استبدال الوقف.
الفرع الأول: تعريف الاستبدال.
الاستبدال مأخوذ من البدل، وبدل الشيء غيره، وتبدل به، واستبدله واستبدل به، كله: اتخذ منه بدلا، وتبديل الشيء: تغييره، واستبدل الشيء بغيره وتبدله به إذا أخذه مكانه، والأصل في الإبدال جعل الشيء مكان شيء آخر.
تعتبر عقود بيع الملك الوقفي من أساليب الاستثمار الذاتي للأوقاف وهو أسلوب استثنائي نلجأ إليه عند الضرورة كما هو مقرر في الشريعة الإسلامية، وقانون الوقف 91-10 الذي يجعل هذا البيع مرتبطا بتعرض الملك الوقفي لحالة من الحالات الواردة في المادة 24 منه وتعرف هذه الصيغة بالاستبدال( ).
تعني صيغة الاستبدال أن يباع مال الوقف كله أو بعضه ويشترى بالثمن مال وقفي آخر يستعمل لنفس الغرض الأصلي للوقف، مع الإبقاء على الإلتزام بسائر شروط الوقف.
والاستبدال في حقيقته لا يتضمن أي زيادة من مال الوقف، حيث يستبدل الوقف بقيمته السوقية، وهو ما يدفع بالتساؤل حول دور الاستبدال في إنماء الوقف؟


الفرع الثاني: شروط الاستبدال.
     إن الفقهاء السابقين( ) ذكروا جملة من الشروط التي يجب مراعاتها عند استبدال الوقف، والملاحظ أن هذه الشروط مختلفة من حيث العدد والمضمون، وذلك تبعا لاختلاف ظروف الزمان والمكان التي جرى فيها تطبيق هذه الشروط
أولا: ألا يكون البيع بغبن فاحش، وهو ما لا يدخل في تقويم المقومين، ذلك أن البيع بغبن فاحش ظلم وتبرع بجزء من الوقف، وهذا لا يجوز.
ثانيا: ألا يبيعه القيم لمن لا تقبل شهادته، ولا لمن له على القيم دين، وذلك لأن البيع ممن لا تقبل شهادته له – للقيم – يستدعي الاتهام؛ إذ فيه احتمال أن يقع غبن على الوقف، والبيع لمن له على القيم دين فيه احتمال ضياع مال البدل بعجز القيم عن السداد فيضيع الوقف.
ثالثا: أن تكون العين التي اشتريت وتم الاستبدال بها أكثر خيرا وانفع للوقف من الأولى.
رابعا: لا تعتبر عملية الاستبدال صحيحة ونافذة بالاكتفاء ببيع الشيء الموقوف، بل لابد من تحقيق الخطوة الأخرى، التي تعتبر الغاية والهدف من عملية الاستبدال، ومن خلالها يمكننا اعتبار عملية الاستبدال صيغة استثمارية من صيغ لاستثمار الأملاك الوقفية، وتتم هذه الخطوة إما بشراء عقار آخر يحل محل العقار الأول يوقف على الجهات التي كان العقار الأول موقوفا عليها، وإما أن يصرف ثمن العقار الأول من أجل تعمير وقف آخر يتحد معه في جهة الانتفاع( ).
وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الشروط يجوز تغييرها والإضافة عليها بحسب ما تقتضيه أحوال الناس وظروفهم التنظيمية والإدارية وغيرها.

الفرع الثالث: طرق الاستبدال( ).
يمكن تطبيق صيغة الاستبدال على اعتبار أنها صيغة استثمارية للوقف من فوائض ريعه، من خلال صياغة عدة طرق على النحو الآتي:
الطريقة الأولى: بيع جزء من الوقف لتعمير جزء آخر من هذا الوقف نفسه.
الطريقة الثانية: بيع وقف من اجل تعمير وقف آخر يتحدد معه في جهة الانتفاع.
الطريقة الثالثة: بيع عدد من الأملاك الوقفية، وشراء عقار جديد ذي غلة عالية يصرف ريعه على جهات الأوقاف المباعة، وذلك إما بنسبة قيمة كل منها، وإما بتخصيص جزء من العقار الجديد لكل وقف من الأوقاف المبيعة يتناسب مع قيمته.
وبناء على العرض السابق لآراء الفقهاء في مسألة الاستبدال، يكون استبدال الوقف لتنميته واستثماره بإحدى الصور السابقة جائز – عند الضرورة – باتفاق الحنفية والحنبلية، وفي المرجوح من مذهب الشافعية والمالكية.
المطلب الثاني: إجارة الوقف.
الجدير بالذكر أنه يمكن الاستفادة من جواز إجارة الوقف في إطار تعميره واستغلال ممتلكاته بصورة من صور التمويل عن طريق الإجارة العادية يمكن تسميتها البيع التأجيري أو الإجارة المتناقصة( ).    
والواقع أن الفقه الإسلامي قد استفاد أيضا من جواز إجارة الوقف، وهي طريقة يمكن اللجوء إليها في حالة الضرورة، وذلك عندما تكون العقارات، أو الأملاك الموقوفة غير مرغوب فيها بالاستبدال، أو بالإجارة


العادية، أو المزارعة – على وضعها الذي تكون فيه غير مؤهلة للإنتاج – وإنما تحتاج إلى مزيد من الاستثمارات حتى تصبح صالحة لتوليد الدخل. مثال ذلك أن يكون لدى مؤسسة وقفية أرض لا تصلح إلا للبناء وليس لدى هذه المؤسسة أموال كافية لإقامة بناء على هذه الأرض، أو أن يكون هناك عقار وقفي قد حل به الخراب، ولا يوجد لدى هذه المؤسسة أموال تكفي لإصلاح هذا البناء، ففي هذه الحالة يمكن اللجوء على ما يعرف بطريقة تحكير الأراضي أو العقارات الموقوفة( )، وهو ما يسمى بحقوق القرار على الأوقاف؛ حيث يشمل هذا النوع طائفة من الحقوق التي عرف إنشاؤها على عقارات الأوقاف بطرق معينة مخصصة، وهذا إما لحاجة الوقف إليها وإما لدفع الضرر عن بعض مستأجري عقارات الأوقاف لو لم يمنحوا حق القرار عليها( ).  
الفرع الأول: عقد إيجار الملك الوقفي.
أولا: تعريفه.
إن عقد الإيجار من أهم العقود الشرعية والقانونية التي ترد على أعيان الوقف، فهو يمثل أسهل الطرق لتوفير الموارد المالية اللازمة لصيانة الوقف وتغطية نفقاته وتوزيع غلاّته على مستحقيها.
في التشريع الجزائري: تطرق المشرع الجزائري إلى تأجير الأملاك الوقفية من خلال المادة 42 من قانون الوقف 91-10 حيث نصت: " تؤجر الأملاك الوقفية وفقا للأحكام التشريعية والتنظيمية السارية المفعول، مع مراعاة أحكام الشريعة الإسلامية ".
ثانيا: منشأ إيجار الملك الوقفي.
ينشأ عقد الإيجار الوقفي بطريقتين، إما وفقا لإرادة الواقف أو من طرف السلطة المكلفة بالأوقاف.


أ. وفقا لإرادة الواقف: ويكون ذلك من خلال الاشتراطات التي يعبر عنها الواقف في عقد الوقف، حيث يتم بها تنظيم الوقف كما ورد في المادة 14 من قانون الوقف 91-10 والتي تنص على " اشتراطات الواقف التي يشترطها في وقفه هي التي تنظم الوقف ما لم يرد في الشريعة نهي عنها ".
كما نصت المادة 45 من القانون السابق صراحة على " تسمى الأملاك الوقفية وتستثمر وفقا لإرادة الواقف وطبقا لمقاصد الشريعة الإسلامية في مجال الأوقاف... ".
ب. الإيجار من طرف السلطة المكلفة بالوقف: وهو يخول للسلطة المكلفة بالوقف إيجار الأراضي الوقفية المخصصة للفلاحة حسب ما نصت عليه المادة 26 مكرر من القانون 01-07 المؤرخ في 22/05/2001 المعدل والمتمم للقانون 91-10.
ثالثا: أنواع إيجار الملك الوقفي.
تختلف أحكام إيجارات الأملاك الوقفية حسب نوع الملك الوقفي، وفقا لما نصت عليه المادة 26 مكرر من القانون 01-07 المؤرخ في 22/05/2001 والمرسوم 98-381:
أ. الإيجار الوقفي الخاص بالمحلات المعدة للسكن والمحلات التجارية: حيث يخضع لأحكام القانون المدني والقانون التجاري( ).
ب. الإيجار الوقفي الخاص بالأراضي الفلاحية: نظرا لخصوصية العقارات الفلاحية وتعقيداتها فإن حق إيجارها يقتصر على السلطة المكلفة بالأوقاف، كما أن هذا الإيجار وكيفياته تحدد عن طريق التنظيم( ).



الفرع الثاني: كيفية الإيجار الوقفي و أثاره.
أولا: كيفية الإيجار الوقفي.
إن الوقف عبارة عن مجموعة أموال تتمتع بالشخصية المعنوية لذلك يعتبر المستاجر مدينا للملك الوقفي( )، ولهذا يوجد نظام خاص بإيجار الأملاك الوقفية، يمكن حصر هذا النظام في التأجير عن طريق المزاد كقاعدة عامة وفي الإيجار عن طريق التراضي، أو بأقل من إيجار المثل كإستثناء من القاعدة العامة.
حدد المرسوم التنفيذي 98-381 المؤرخ في 01-12-98 المحدد لشروط إدارة الأملاك الوقفية وتسييرها وحمايتها وكيفيات ذلك.
أ. الإيجار عن طريق المزاد: يتعلق هذا النوع من الإيجار بالوقف سواء كان بناء أو أرض بياض أو أرضا زراعية أو مشجرة، وينعقد الإيجار برسو المزاد، ويحدد السعر الأدنى بإيجار المثل وعن طريق الخبرة بعد المعاينة واستطلاع رأي المصالح المختصة في إدارة أملاك الدولة أو أي جهة مختصة تحت إشراف ناظر الشؤون الدينية. يعلن عن هذا المزاد في الصحافة الوطنية أو بطرق إعلان أخرى قبل 20 يوما من تاريخ إجرائه، بالنسبة لسعر افتتاح المزاد فإن المادة 24 من المرسوم 98-381 ميزت عن حالتين:
- حالة عادية: وفيها يمكن تحديد السعر الأدنى للمزاد بإيجار المثل عن طريق الخبرة. سعر المزاد الأدنى بأقل من إيجار المثل وحدد ذلك بأربعة أخماس (4/5) أجر المثل، ويكون هذا في الحالات التي يكون فيها الملك الوقفي غير مرغوب فيه أو مثقلا بدين.
- حالة الضرورة: وفيها يمكن تحديد سعر المزاد الأدنى بأقل من إيجار المثل وحدد ذلك بأربعة أخماس (4/5) أجر المثل، ويكون هذا في الحالات التي يكون فيها الملك الوقفي غير مرغوب فيه أو مثقلا بدين.

ب. الإيجار بالتراضي: إن تأجير الأملاك الوقفية عن طريق التراضي يعتبر استثناء من القاعدة العامة المقررة في تأجير الأملاك. ينشأ هذا النوع من الإيجار لغرض سامي وهو نشر العلم وتشجيع البحث فيه، وكل سبل الخيرات يتوقف هذا الإيجار على ترخيص الوزير المكلف بالشؤون الدينية، وبعد استطلاع رأي لجنة الأوقاف( ).
ثانيا: آثار الإيجار الوقفي.  
يترتب عن إنشاء عقد الإيجار الوقفي الصحيح آثارا مختلفة أوردها المرسوم التنفيذي 98-381، نوجزها فيما يلي:
أ. يعتبر المستأجر مدينا للملك الوقفي( ) الذي يكون في مركز الدائن.
ب. لا يجوز جعل مدة عقد الإيجار غير محددة تحت طائل بطلان العقد وفقا للمادة 27 من المرسوم التنفيذي 98-381 وتنص: " لا يصح تأجير الملك الوقفي لمدة غير محددة... "، تحدد المدة حسب طبيعة ونوع الملك الوقفي.
كما يجوز للواقف اشتراط مدة الإيجار، وعلى الناظر إتباع شرطه وعدم مخالفته إلا إذا كان العمل به يلحق ضررا بالوقف مستقبلا.
ج. يتم تجديد عقد الإيجار إما اختياريا أو وجوبيا كما يلي:
- في حالة التجديد الاختياري: نصت المادة 27 من المرسوم التنفيذي 98-381" يحدد عقد الإيجار خلال الأشهر الثلاثة (3) الأخيرة من مدته "، وإن لم يتم ذلك تطبق أحكام القانون المدني رقم 75-58.


- في حالة التجديد الوجوبي: يكون في حالة الرجوع إلى إيجار المثل بعدما كان الإيجار بأربعة أخماس إيجار المثل متى أمكن الرجوع، وهذا ما نصت عليه المادة 24 من المرسوم التنفيذي 98/391: " ...ويرجع إلى إيجار المثل متى توفرت الفرصة لذلك ويجدد عندها عقد الإيجار ".
وعند التجديد يمكن مراجعة شروط العقد وخصوصا قيمته ومدته حسب ما نصت عليه المادة 28 من المرسوم التنفيذي 98-381.
د. في حالة وفاة المستأجر أو المؤجر يترتب على ذلك ما يلي:
- في حالة وفاة المستأجر: يترتب أثران أساسيان هما: الفسخ القانوني لعقد الإيجار، ووجوب إعادة عقد الإيجار لصالح الورثة الشرعيين للمستأجر للمدة المتبقية من العقد الأول، مع بقاء مراعاة مضمونه في حالة ما إذا رغبوا في ذلك( ).  
- في حالة وفاة المؤجر: وكان من الموقوف عليهم، يعاد تحرير العقد وجوبا للمستأجر الأصلي حتى إنقضاء مدة العقد مع مراعاة مضمونه حسب المادة 30 من المرسوم التنفيذي 98-381.
هـ. إنتهاء الإيجار: ينتهي الإيجار الوقفي عند فقهاء الشريعة الإسلامية بطريقتين:
- موت أحد المتعاقدين: والمقصود به هنا هو المستأجر فقط، لأن المؤجر سواء كان الواقف أو ناظر الوقف لا ينتهي الإيجار أو ينفسخ عقده بموته.
- إنتهاء المدة المحددة للإيجار: إلا إذا وجد عذر يقتضي بقاء عقد الإيجار بعد انتهائه، فإذا انتهت المدة وكان المستأجر ملك له نهاية معلومة على الأرض المؤجرة كزرع ينتظر حصاده، فإن الأرض تبقى تحت يده بأجر المثل إلى أن يحصد الزرع.

أما إذا كان للمستأجر ملك ليس له نهاية معلومة الأجل كالبناء مثلا، فهنا ينظر إلى تحقق لإذن الناظر فإن تحقق تترك الأرض تحت يد المستأجر مادام يدفع أجر المثل، وإن لم يتحقق فالأرجح أن الزيادة تكون وقفا( ).
المطلب الثالث: عقد الحكر.
الفرع الأول: تعريف الحكر.
هو عقد إجارة يقصد به استبقاء الأرض الموقوفة مقررة للبناء والغراس أو لأحدهما على أن يدفع المحتكر لجانب الوقف مبلغا معجلا من المال يقارب قيمة الأرض، ويرتب مبلغا آخر ضئيلا يستوفي سنويا لجهة الوقف من المستحكر أو ممن ينتقل إليه هذا الحق، ويقابل هذا أن يكون للمستحكر حق الغرس والبناء وسائر حقوق الانتفاع، وحقه هذا قابل للبيع والشراء، وينتقل إلى ورثته بعد موته( ).
كما يقصد بالحكر: أن يبيع الناظر حق استئجار الأرض الموقوفة بأجرة سنوية أو شهرية زهيدة محددة ومتفق عليها في العقد، وهي تدفع دوريا، كما يدفع مبلغا كبيرا يقارب القيمة السوقية للأرض دفعة واحدة. وعليه، فإن عقد الحكر يعطي لمالكه حق احتكار استئجار الأرض الموقوفة بتلك الأجرة الرمزية لمدة طويلة جدا، وهذا الحق أسماه الفقهاء " حق الحكر " وهو حق مالي متوق يباع ويورث ويوهب وتجري عليه سائر التصرفات المالية( ).



الحكر في القانون: عرف المشرع الجزائري في المادة 26 مكرر 02 من القانون رقم 01-07 المتعلق بالأوقاف التي تنص على أنه " يمكن أن تستثمر عند الإقتضاء، الأرض الموقوفة العاطلة للبناء أو الغرس لمدة معينة مقابل دفع مبلغ يقارب قيمة الأرض الموقوفة وقت إبرام العقد مع التزام المستثمر بدفع إيجار سنوي يحدد في العقد مقابل حق في الانتفاع بالبناء أو الغرس وتوريثه خلال مدة العقد مع مراعاة أحكام المادة 25 من القانون رقم 91-10 المؤرخ في 27 أفريل 1991 ".
ويجب أن يكون حق الحكر لمدة طويلة حتى يطمئن المستأجر بأن أمواله التي سينفقها في التصليح والتعمير ستثمر ولو بعد زمن طويل.
لم يتطرق المشرع الجزائري لحق الحكر من خلال أحكام القانون المدني رغم انه يعتبر من الحقوق العينية، على عكس المشرع المصري الذي تطرق له في المادة 999 مدني مصري ضمن الحقوق العينية الأصلية وحدد مدته أن لا تتجاوز الستين عاما( ).
كما أن حق الحكر قابل للتوريث فهو ذو طبيعة خاصة، فهو ليس من قبيل حقوق الانتفاع التي تنتهي بموت صاحبها، ولا من حقوق الارتفاع التي تقرر لمصلحة عقار على عقار آخر مجاور له( ).
الفرع الثاني: شروط صحة الحكر.
يعتبر عقد الحكر صحيحا إذا توافرت فيه الشروط الثلاثة التالية:
الشرط الأول: أن يكون عقد الإجارة الذي تضمنه العقد صحيحا، وذلك بأن يكون التحكير إلى مدة معلومة، وبأجرة معلومة محددة لا تقل عن أجر المثل، على أن يتم ذلك بعد مراعاة شرط الواقف.
الشرط الثاني: ألا يتم التحكير إلا بعد التأكد من وجود ضرورة أو مصلحة محققة للوقف.

الشرط الثالث: يجب أن يتم بإذن من المحكمة المختصة، وأن يسجل في دائرة التسجيل.
الفرع الثالث: أنواع الحكر.
أولا: المقاطعة، أو ما يسمى بحق الحكر.
يعرف حق الحكر المراد هنا بأنه " حق قرار مرتب على الأرض الموقوفة بإجارة مديدة تعقد بإذن القاضي، يدفع فيها المستحكر لجانب الوقف مبلغا معجلا يقارب قيمة الأرض، ويرتب مبلغ آخر ضئيل يستوفي سنويا لجهة الوقف من المستحكر أو من ينتقل إليه هذا الحق، على أن يكون للمستحكر الغرس، والبناء وسائر وجوه الانتفاع "( ).
وقد حددت المادة 195 من قانون الملكية العقارية مبلغ الأجرة السنوية بمقدار نسبي ثابت مقداره اثنان ونصف في الألف من قيمة الأرض المقدرة رسميا لجباية الضرائب العقارية( )، ومن المقرر أن هذا المرتب السنوي قابل للزيادة تبعا للظروف و الأحوال الاقتصادية، وبالتالي فإن أجرة الأرض المحتكرة – السنوية – تزيد حتى تعادل أجر المثل إذا ما اقتضى الأمر ذلك( ).
إن الناظر في هذه الصيغة يرى أن الأوقاف قد حصلت على مبلغ نقدي يساوي قيمة الحق المتنازل عنه – ثمن الأرض المحتكرة – وذلك مقابل بيعها حق الحكر، لكنها عمليا قد تنازلت عن الانتفاع بهذا العقار لمدة طويلة، وذلك لأن الأجرة السنوية – المرتب السنوي – التي تتقاضاها الأوقاف ضئيلة جدا، الأمر الذي يجعل من هذه الطريقة طريقة استثنائية لا يصح اللجوء إليها إلا في حالات الضائقة المالية الشديدة، التي تقتضي من الأوقاف الحصول على نقود عاجلة، ولا توجد طريقة أخرى لذلك.

ولكن أين يمكن أن تصرف الأوقاف هذا المبلغ المعجل الذي حصلت عليه مقابل بيعها حق الحكر؟ إن المنطق الاقتصادي يتطلب ألا يستخدم المبلغ المعجل في النفقات الدورية والمتجددة، لأن هذا من شأنه أن يصفي عقارات الأوقاف بالتدريج، بحيث تصبح في المستقبل لا دخل لها، وإنما لا بد أن يستخدم ذلك المبلغ في استثمار وقفي آخر من شأنه أن ينقذ عقارا وقفيا آخر، وينقله من وضع غير مفيد للأوقاف إلى وضع مفيد لها نتيجة ذلك الاستثمار. إلا أنه لا بد من التأكيد بوجه عام على ضرورة اتحاد الوقفين – الحكر والذي استثمر في المبلغ العجل للحكر – في المصرف وفي وجوه الاستحقاق مراعاة لشرط الواقف.
ومن الواضح هنا أن هذه الطريقة يمكن استخدامها كوسيلة تمويل لعقارات الأوقاف، وذلك عن طريق صرف المبلغ المتحصل منها في تعمير واستثمار تلك العقارات، وإن كانت هذه الطريقة تعد طريقة استثنائية في التمويل( ).
ثانيا: حق الإجارتين.
يعرف حق الإجارتين بأنه: عقد إجارة مديدة، بإذن القاضي الشرعي، على عقار الوقف المتوهن، الذي يعجز الوقف عن إعادته إلى حالته الطبيعية من العمران السابق، بأجرة معجلة تقارب قيمته تؤخذ لتعميره، وأجرة مؤجلة ضئيلة سنوية يتجدد العقد عليها، ومن هنا سمي هذا الحق بالإجارتين( ).
والواقع أن هذه الطريقة قد نشأت إثر الحرائق التي شملت أكثر عقارات الأوقاف في القسطنطينية بعد سنة (1220 للهجرة)، بحيث عجزت غلاتها عن تجديدها، وتشوه منظر البلدة، ولم يوجد أحد يرغب في استئجارها إجارة واحدة، بحيث تعمر من أجرتها، فاهتمت الدولة العثمانية آنذاك إزاء هذه الحالة المستجدة،


وبحثت عن طريقة تكفل بها بقاء المؤسسات الخيرية، واستمرار عملها، من خلال تجديد ما خرب منها، ولم تر أنه يتأتى لها ذلك، إلا بجعل التصرف بتلك الأوقاف يتم بطريق الإجارتين، فوضعت هذه الطريقة، وقررت لها أحكاما وضوابط مستندة في ذلك إلى القاعدتين الفقهيتين: " تنزل الحاجة العامة منزله الضرورة " و " الضرورات تبيح المحظورات " وبذلك أجازت الإجارة الطويلة في الأوقاف خلافا للقياس لزيادة الحاجة( ).
هذا وقد حددت المادة رقم 180 من قانون الملكية العقارية الأجرة المؤجلة في الإجارتين بمبلغ ثلاثة في الألف من قيمة العقار المقدرة رسميا لجباية الضرائب العقارية.    
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الغرض من تخصيص هذه الأجرة السنوية هو: إعلام الناس بأن العقار المؤجر هو عائد للوقف، فلا يبقى للمستأجر مجال للادعاء بملكيته، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لاعتبار تجديد العقد قائما كل سنة بدفع هذه الأجرة؛ فلا يكون هناك مجال لاعتراض على صحة هذه الإجازة لأنها طويلة.
إذا ما تأملنا في هذه الصيغة، فإننا ندرك أن ما ينطبق على الحكر ينطبق عليها تماما، فالأوقاف قد حصلت على مبلغ نقدي قيمة الحق المتنازل عنه – ثمن العقار المتوهن – إلا أنها مقابل ذلك قد تنازلت عمليا عن الانتفاع بهذا العقار – بعد إصلاحه – لمدة طويلة، ذلك أن الأجرة السنوية المؤجلة التي تأخذها الأوقاف هي مبلغ ضئيل، الأمر الذي يجعل من هذه الطريقة – أيضا – طريقة استثنائية لا يصح اللجوء إليها إلا عند الضرورة، تماما كما في الحكر.
والواقع أن الحكر يعتبر أجدى اقتصاديا على الأوقاف من الإجارتين، وذلك أن المبلغ الذي تأخذه الأوقاف مقابل بيعها حق الحكر يمكن أن تستخدمه في إنشاء أو استنقاذ عقار وقفي آخر، واستثماره بطريقة


 مجدية، أما في الإجارتين فإنها تضع المبلغ المعجل وتستثمره على نفس الأرض، وتؤجره إجارة مديدة بمبلغ قليل جدا، فهي عمليا قد ضحت بعقار الوقف، ولم تتمكن من إنشاء، أو استنقاذ عقار آخر( ).
والجدير بالذكر أن هذه الطريقة هي أنفع إلى العقار المؤجر من الحكر، ذلك أن عقد الإجارتين إنما يرد على نفس العقار المتوهن، ويقصد من وراثه تعمير هذا العقار واستغلاله دون غيره.
الفرع الرابع: عقد الحكر طريق استثنائي لتمويل الوقف.
إذا صح الحكر بصفة عقد الإيجار الذي يتضمنه، فإن مصلحة الأوقاف تأخذ مبلغا كبيرا نسبيا من المال مقدما يساوي تقريبا قيمة الأرض، ومقابل ذلك هو بيع حق الانتفاع من الأرض عمليا إلى المستحكر لفترة طويلة جدا في المستقبل، حيث يدفع الإيجار سنويا – وهو مبلغ ضئيل جدا – وكلما طالت مدة الحكر وقل القسط الدوري للأجرة كان ثمن حق الحكر كبيرا، فهاته الصيغة تمكن الناظر عمليا من الحصول على ما يقارب ثمن الأرض الموقوفة دون أن يبيعها، ويفترض فيه أن يوزع ذلك على الموقوف عليهم وأن يستعمله لصالح غرض الوقف نفسه.
إن المبلغ المعجل الذي دفعه المستحكر لمصلحة الأوقاف يمكن أن تستخدمه هذه الأخيرة في تمويل عقارات وقفية أخرى، أي تستثمره حتى تزيد من دخل الأوقاف، أما إذا استخدمته في النفقات الدورية والمتجددة فإن ذلك يؤدي عمليا إلى تصفية عقارات الوقف بالتدريج، حيث لا يصبح لها أي دخل في المستقبل( ).


يستخدم في إنقاذ عقار آخر، ونقله من وضع غير مفيد إلى وضع مفيد، وعليه فإن طريقة تحكير الأراضي لا يلجأ إليها إلا في حالة الضيق الشديد الذي يقتضي الحصول على نقود.    
المطلب الرابع: تحليل المبادئ الاقتصادية لاستبدال وإجارة الوقف.
الفرع الأول: خصائص ومميزات الصيغ التقليدية لاستثمار الوقف.
إن الدراسة السابقة للصيغ التقليدية لاستثمار وتنمية الأملاك الوقفية، وما يعتري هذه الصيغ من إشكالات فقهية، ومحددات اقتصادية، وممارسات عملية واقعية يجعلنا نقف على جملة من الخصائص تميز هذه الصيغ وتحدد آثارها الاقتصادية:
أولا: الخصائص التي ترد على الاستبدال.
أ. أن محله (المعقد عليه) هو عين الوقف ذاتها.
ب. يجب فيه تعجيل الثمن.
ج. لا يعتبر الاستبدال صحيحا ونافذا إلا بشراء عقار وقفي يحل محل العقار المستبدل.
د. يعتبر الاستبدال طريقة استثنائية، ولا يجوز اللجوء إليها للضرورة.
ه. أدت طريقة الاستبدال – في كثير من الحالات – إلى ضياع الأوقاف وإبطالها مما يزيد من مخاطر اللجوء إليها.
ثانيا: الخصائص التي ترد على الحكر.  
‌أ. أن محله (المعقود عليه) هو الأرض الوقفية.
‌ب. يجب فيه تعجيل الثمن. (بدل الحكر).
‌ج. المبلغ الذي تحصل عليه الأوقاف كبير نسبيا يوازي قيمة الأرض.

‌د. توفير إمكان الحصول على الحاجة المالية للأوقاف لتمويل عقارات وقفية أخرى.
‌ه. تتنازل الأوقاف عن حق الانتفاع من الأرض المحكرة عمليا لصالح المستحكر لفترة طويلة جدا.
‌و. لا يجوز صرف بدل الحكر(المبلغ الذي تأخذه الأوقاف من المحتكر/ المستأجر) إلا على مصرف يتحد مع مصرف الوقف الأصلي / الأرض المحكرة.
‌ز. زيادة مخاطر تكاليف اللجوء إلى هذه الطريقة حيث إنها أدت إلى ضياع الأوقاف وإبطالها، لعدم تحديد مدة للتحكير.
‌ح. حق الحكر من حقوق القرار، لا ينتهي بموت المستأجر، ولكنه يباع، ويورث، ويوهب، وترد عليه كافة حقوق الملكية الأخرى، وهو ما يزيد من مخاطر اللجوء إليه.
‌ط. الأجرة السنوية التي تأخذها الأوقاف مقابل حق الحكر، هي أجرة رمزية وليس لها مردود اقتصادي معتبر، والغاية منها إثبات ملكية الأوقاف لهذا العقار.
ثالثا: الخصائص التي ترد على الإجارتين.    
‌أ. أن محله (المعقود عليه) يرد على العقار الوقفي المتوهن.
‌ب. يجب فيه تعجيل البدل، وهو ما يساوي قيمة العقار المتوهن تقريبا. وهو مبلغ قليل نسبيا.
‌ج. يصرف المبلغ على نفس العقار الوقفي المتوهن فيؤخذ لتعميره.
‌د. تتنازل الأوقاف بموجب هذه الصيغة عن العقار الوقفي عن قيمة البدل مدة طويلة جدا.
‌ه. زيادة مخاطر وتكاليف اللجوء إلى هذه الطريقة؛ حيث أنها تؤدي إلى إبطال الأوقاف وضياعها، لعدم تحديد مدة الإجارة.
‌و. حق الإجارتين من حقوق القرار، والتي تخول صاحبها التصرف بما يقع تحت يده من أملاك تصرف الملاك، من بيع، وإرث، وهبة..، وهو مما يزيد من مخاطر اللجوء إليه.

‌ز. الأجرة السنوية التي تأخذها الأوقاف هي أجرة رمزية وليس لها أدنى اعتبار من الناحية الاقتصادية.. والغاية منها إثبات ملكية الأوقاف لهذا العقار.
الفرع الثاني: أسباب جمود الصيغ التقليدية لاستثمار الوقف.
من الواضح أن استعراض الخصائص السابقة للصيغ التقليدية لاستثمار الوقف وتنميته يؤكد أن هذه الصيغ تتصف بالجمود، وعدم الكفاءة الاقتصادية، ولا ينبغي اللجوء إليها إلا للضرورة، ولعل ذلك يعود إلى جملة من الأسباب؛ ومنها ما يعود إلى طبيعة الوقف في الفقه الإسلامي، ومنها ما يعود إلى طبيعة الإدارة والإشراف لهذه الأملاك، ومنها ما يعود إلى الظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة وقت تطبيق هذه الصيغ.
أولا: الأسباب العائدة لطبيعة الوقف في الفقه الإسلامي.
أ. طبيعة اللزوم في الوقف:
إن الاختلاف الفقهي الواقع حول هذه المسألة في اعتبار الوقف لازما أم لا، والتعامل مع الأملاك فترات طويلة من التاريخ الإسلامي أنها ليست ملك لأحد، وتأخر ظهور واستقرار الرأي الفقهي القائل بلزوم الوقف، والاعتراف بالشخصية الحكمية للوقف، وضرورة استقلال ذمته عن أي ذمة أخرى، كل ذلك جعل استثمار أعيان الوقف وإدارتها في مستوى أقل بكثير من استثمار الممتلكات الخاصة.
ب. الطبيعة التأبيدية للوقف:
حيث إن الوقف عقد يقتضي التأبيد لا التأقيت، واستقرار الرأي الفقهي على ذلك، وجعل الفقهاء والنظار والقضاة هدفهم الأول المحافظة على عين الوقف ذاتها والإفادة منها دون سواها، وعدم إزالة صفة
الوقف عنها إلا في حالات قليلة جدا، والأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على صيغة الاستبدال وجعلها صيغة استثنائية لا يصح ولا يمكن اللجوء إليها في الظروف العادية، وتفضيل غيرها من الصيغ الأخرى.

ج. مراعاة شروط الواقفين:
إن التقيد بالشروط التي وضعها الواقف لاستعمال وقفه والتصرف فيه، وعدم جواز الخروج عنها إلا في حالات استثنائية وضيقة جدا، واحترام تلك الشروط وعدم الاعتداء عليها إذ من المعلوم من القاعدة الفقهية " أن شرط الواقف كنص المشرع "، يجب العمل به. كل ذلك أدى إلى تضييق دائرة التعامل مع الأملاك الموقوفة، وربما أدى إلى خرابها وضياعها إذ ليست كل شروط الواقفين هي خير محض للوقف.
ثانيا: الأسباب العائدة للإدارة والإشراف.
أ. الفصل بين الإدارة والإشراف:
كما مر معنا سابقا، ومن المعلوم فقهيا، أن إدارة الوقف تقع مباشرة على عاتق القاضي، وأمر الإشراف يقع على عاتق الناظر أو متولي الوقف، وأن هذا الفصل بين الإدارة والإشراف المباشر على الوقف لا شك أنه يقلل من كفاءة إدارة وتنمية هذه الأملاك وحفظها.
ب. الفصل بين الإدارة والملكية:
من المعلوم، وكما أشرنا في الحديث عن لزوم الوقف، أن ملكية الوقف إنما تعود للشخصية الحكمية له، وبذلك فهي تنفصل عن ذمة الواقف، وذمة المستحقين، وذمة القائمين على إدارته والإشراف عليه، ولا يخفى أثر ذلك على كفاءة إدارة وتنمية هذه الأملاك.






ج. عدم محاسبة النظار لاستعمال الأموال الموقوفة والتصرف بها:
فبالرغم من أن الأصل في حسابات الأوقاف أنها تعرض على القضاة – في الأغلب – من جانب النظار لاعتمادها، ولكن ظهر أن من الواقفين من اشترط عدم نظر القضاة في حسابات وقفه( )، الأمر الذي ساعد في ضياع أموال الوقف، وعدم الاحتياط في جبايتها وإنفاقها.
ثالثا: الأسباب العائدة للحياة الاقتصادية السائدة آنذاك.  
لقد كان للظروف الاقتصادية والاجتماعية – التي كانت سائدة في التاريخ الإسلامي - دور في اختيار الصيغ التقليدية والتعامل معها، ولا شك أن طبيعة تلك الحياة وظروفها ومحددات اقتصاداتها قد تجعلنا نقبل اللجوء إلى مثل هذه الصيغ وكيفية إدارتها والإفادة منها للاستثمار الوقفي، هذا ويمكننا حصر تلك الأسباب التي أدت إلى ضعف إدارة وتنمية أموال الوقف – من خلال تلك الصيغ – في التاريخ الإسلامي بما يأتي:
‌أ. ضعف الإدارة والإشراف، وتدني مستوى الرقابة والتفتيش.
‌ب. الوفرة الحاصلة في الأملاك الوقفية من حيث اتساع مساحة هذه الأملاك.
‌ج. تنوع مصارف الأوقاف واتساع مظلتها.
وأخيرا فإن تلك الخصائص التي ميزت هذه الصيغ التقليدية، وأسباب الجمود التي تكتنفها، جعل منها صيغا غير كفؤة للاستثمار الوقفي، ولا يمكن اللجوء إليها في الحياة الاقتصادية الحديثة، وإذا أخذنا بالاعتبار أن أحكام الوقف في مجملها هي أحكام اجتهادية معللة بجلب مصالح العباد ودفع الضرر عنهم، بات من المؤكد ضرورة البحث عن صيغ أخرى أكثر كفاءة وأكثر فاعلية في الحياة المعاصرة.


 المبحث الثاني: الصيغ المستحدثة لاستثمار الوقف وتقييمها إقتصاديا.
إن دراسة صيغ التمويل الإسلامية، التي أخذت طريقها في التطبيق الفعلي على المستوى المؤسسي، مع مراعاة تلك الطبيعة المميزة للوقف ومحدداتها الفقهية، والأخذ بعين الاعتبار ضرورة العمل من أجل تنمية الأملاك الموقوفة واستثمارها لبعث دور هذه المؤسسة من جديد لتضطلع بدورها الحيوي والهام في الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الإسلامي، كل ذلك يجعلنا ندرك مدي أهمية استيعاب ما يمكننا استيعابه من صيغ التمويل الإسلامية المعاصرة والإفادة منها في مجال تنمية الوقف واستثماره.
ومن هنا فسنعرض في هذا الفصل تلك الصيغ الإسلامية المعاصرة المقبولة شرعيا وفقهيا وتنسجم مع طبيعة هذه الأملاك وخصوصيتها.
المطلب الأول: المضاربة والمشاركة.
يجمع هذا الأسلوب بين صيغتي المضاربة والشركة، ويتمثل في أن تتفق جهتان معا على إنشاء شركة بينهما، يكون نصيب الجهة الأولى في هذه الشركة تقديم مبلغ معين من المال، ونصيب الجهة الأخرى تقديم مبلغ آخر، على أن تضارب إحدى الجهتين وحدها بالمالين معا، ويكون الربح بينهما بحصة شائعة، على أن يراعى عند تقسيم الربح ثمن الجهد الذي قدمه المضارب( ).
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الأسلوب جائز من الناحية الشرعية عند الشافعية والحنفية، والحنبلية. والواقع أن الأوقاف يمكنها الاستفادة من هذا الأسلوب في إطار تعمير ممتلكاتها، واستثمارها بطريقتين:
الطريقة الأولى: جذب رؤوس الأموال من الجمهور، واستغلالها في إقامة مشاريع اقتصادية كبرى عن طريق إصدارها لما يعرف بـ " سندات المقارضة ".

الطريقة الثانية: أن تقوم الأوقاف بدور الشريك، وذلك بتقديمها للأعيان الموقوفة لجهة تمويلية تقوم باستغلالها، ويقسم الربح بينهما بحصة شائعة.
الفرع الأول: سندات المقارضة.
أولا: تعريف سندات المقارضة في التشريع المعاصر.
عرف " قانون البنك الإسلامي الأردني للتمويل والاستثمار رقم 13 لسنة 1978م " في المادة الثانية منه، سندات المقارضة بأنها: " الوثائق الموحدة القيمة، والصادرة عن البنك بأسماء من يكتتبون فيها، مقابل دفع القيمة المحررة بها، على أساس المشاركة في نتائج الأرباح المتحققة سنويا حسب الشروط الخاصة بكل إصدار على حدة ".  
ويجوز أن تكون هذه السندات صادرة لأغراض المقارضة المخصصة، وفقا للأحكام المقررة لها في هذا القانون.
أما قانون سندات المقارضة المؤقت رقم 10 لسنة 1981م؛ فقد عرف هذه السندات بأنها: الوثائق المحددة، التي تصدر بأسماء مالكيها، مقابل الأموال التي قدموها لصاحب المشروع بعينه، بقصد تنفيذ المشروع واستغلاله وتحقيق الربح.
والملاحظ أن هناك اختلافا واضحا بين التعريفين السابقين من حيث الأغراض، وجهة الإصدار لهذه السندات، مما يعد تطورا لفكرة هذه السندات في مرحلة التشريع.
والناظر في نصوص قانون سندات المقارضة يجد أن فكرة هذه السندات تقوم فيه على العناصر الآتية:
‌أ. أنها وثائق تسجل مقدار الأموال التي قدمها المكتتبون بها لمشروع معين بقصد تنفيذه لتحقيق الربح.
‌ب. أن لكل وثيقة من هذه الوثائق قيمة محددة.

‌ج. أن كل شخص من المكتتبين بهذه الوثائق قد يحصل على وثيقة أو أكثر منها بقدر ما دفع من أموال مشاركة في تنفيذ هذا المشروع.
‌د. أن هذه الوثائق تصدر بأسماء من يملكونها.
‌ه. أن لمالك هذه الوثائق نسبة من ربح المشروع، تعلق في نشرة الإصدار خلال الفترة التي تصدر بها السندات، وأن ما يدفع لصاحب السند ليس فائدة سنوية محددة إنما يرتبط مقدار ما يدفع له بقدر ما يتحقق من ربح للمشروع.
‌و. أن النسبة الأخرى من الربح مخصصة للإطفاء التدريجي لأصل قيمة السند الأصلية، وبذا يسترد صاحب السند مقدار ما دفعه أولا بأول، في مواعيد الإطفاء المحددة بنشرة الإصدار الخاصة بمشروع معين، وينال في خلال هذه الفترة ربحا معقولا تحدد نسبته من دخل المشروع، على أساس حساب الدخل المتوقع.
وبعد إطلاع مجمع الفقه الإسلامي على الأبحاث المقدمة في موضوع سندات المقارضة وسندات الاستثمار في دورة مؤتمره الرابع بجدة( )، وبعد استعراضه للتوصيات العشر التي انتهت إليها الدراسة حول هذا الموضوع، ومناقشة ذلك في ضوء الأبحاث المقدمة حوله، قرر أن الصيغة المقبولة شرعا لتعريف سندات المقارضة هي: أداة استثمارية تقوم على تجزئة رأس مال القراض " المضاربة " بإصدار صكوك ملكية برأس مال المضاربة على أساس وحدات متساوية القيمة، ومسجلة بأسماء أصحابها باعتبارهم يملكون حصصا شائعة في رأس مال المضاربة، وما يتحول إليه بنسبة ملكية كل منهم فيه، وبفضل تسمية هذه الأداة الاستثمارية صكوك المقارضة.
والملاحظ على هذه الصيغة أنها تحتوي على العناصر الآتية:
‌أ. أن سندات المقارضة هي أداة من أدوات الاستثمار.


‌ب. التكييف الفقهي لهذه السندات يقوم على اعتبار أنها مضاربة شرعية تقوم على تجزئة رأس المال المضارب به، إلى وحدات متساوية القيمة، تمثلها وثائق معينة هي " صكوك أو سندات المقارضة ".
‌ج. سندات المقارضة إنما تمثل حصصا شائعة في رأس مال المضاربة وما يتحول إليه من موجودات المشروع.
‌د. يفضل تسمية هذه الأداة بصكوك المقارضة بدل سندات المقارضة؛ وذلك لارتباط لفظ السندات بالفائدة المحرمة شرعا.
ثانيا: أهمية سندات المقارضة، ودورها في تحقيق التنمية الاقتصادية.
إن صيغة سندات المقارضة إذا ما أتيح المجال أمام تطبيقها – بشكل سليم يتفق والأغراض التي وضعت من أجلها – فإنها سوف تتمخض عن إحداث آثار إيجابية في العملية التنموية في البلدان الإسلامية تبدو من خلال الأمور الآتية:( )
‌أ. تعد سندات المقارضة أداة من أدوات التمويل الكبير والطويل الأجل، الذي يقوم على اجتماع رأس المال والعمل( )، وذلك من خلال تعاون الجهات المليئة مع الجهات الخبيرة، لتنفيذ المشاريع الاقتصادية الكبرى، الأمر الذي يعمل على تحريك الاقتصاد ورفع مستوى العملية التنموية.
‌ب. تعتبر هذه الصيغة بديلا إسلاميا قائما وفق قواعد الاقتصاد الإسلامي لسندات القرض الربوية التي تصدرها البنوك والشركات، لإقامة مشاريعها الاقتصادية الكبرى، وبذلك فإنها تجنب المجتمع أضرار الربا، ومساوئه الناتجة عن إصدار تلك السندات الربوية، كما أنها – وفي الوقت نفسه – تقدم للمجتمع فوائد اجتماعية


واقتصادية مقابل تلك الأضرار، الأمر الذي يجعلها تنسجم مع عقيدة وتطلعات الإنسان المسلم الذي يعتبر أهم الركائز الأساسية للعملية التنموية في المنهج الإسلامي، وتجعل إقباله عليها كبيرا، مما يمكنها من النجاح في أداء دورها الاقتصادي المنشود.
‌ج. تعمل هذه الصيغة بطريقة تنسجم مع مختلف الإمكانات المتاحة للأفراد على اجتذاب الأموال المعطلة عن الاستثمار، والمخزونة في البيوت على شكل أموال مكتنزة، أو مودعة لدى البنوك في حسابات جارية، بما لا يفيد الاقتصاد بشيء، وإنما تؤدي إلى زيادة حدة التضخم فيه، وبهذا تفتح المجال لأكبر عدد من المستثمرين لتمويل المشاريع الاقتصادية الكبرى، ذات النفع العام – غالبا – في المجتمعات الإسلامية، مما يؤدي إلى تقوية حركة الاستثمار في هذه المجتمعات ويحولها من الاستهلاك إلى الإنتاج.
‌د. تعتبر هذه الصيغة – كما يرى بعث الباحثين( ) – البداية لنواة سوق راس المال الإسلامي، الذي يعمل على انتقال رؤوس الأموال وتداولها بين المجتمعات الإسلامية، وتوجيهها نحو الاستثمارات التنموية في هذه المجتمعات؛ وذلك بسبب توافر حجوم من التمويل الكبير في بعض البلاد الإسلامية، تبحث عن مشاريع استثمارية مناسبة، ووجود مشاريع ثبت بعد الدراسة المستفيضة أنها ذات جدوى اقتصادية عالية في بعض البلاد الإسلامية الأخرى، تبحث عن تمويل كاف من مصادر غير مستغلة؛ فإذا ما تم قيام هذه السوق التي تتحكم في مسيرة رأس المال الإسلامي بين تلك البلدان، فإنها سوف تخدم مختلف القطاعات الاقتصادية فيها، من البنوك الإسلامية، والمستثمرين في القطاع الخاص، والقطاع العام. وذلك لحاجتها الملحة لقيام مثل هذه السوق، مما يسهم في بناء التنمية الحقيقية لعديد من دول العالم الإسلامي.



‌ه. أن هذه الصيغة – بكونها إحدى صيغ استثمار الأملاك الوقفية – سوف تعمل على زيادة الاستثمارات في مجال الوقف الإسلامي؛ بتمويلها لمشاريعه الاقتصادية التي تعد غالبا مشاريع ذات نفع عام للمجتمعات الإسلامية، الأمر الذي يساعد مؤسسة الوقف على إحياء دورها الإيجابي في هذه المجتمعات وبعثه من جديد.
‌و. فيما يتعلق بالأوقاف أيضا، فإن هذه الصيغة تسمح للممول بالانسحاب تدريجيا من المشروع بعد أن يسترد ما قدمه من تكلفة لإنشائه، بالإضافة إلى نصيبه من الربح؛ مما يحقق رغبته في ذلك، كما ينسجم مع المقاصد الشرعية في تأبيد الوقف، وضرورة استثماره وصرف عوائده إلى الجهات المستحقة.
الفرع الثاني: المضاربة والشركة.
يمكن للأوقاف استخدام هذا الأسلوب الذي يجمع بين المضاربة والشركة، من اجل توفير التمويل اللازم لاستثماراتها الصغيرة، التي لا تحتاج منها إلى إصدار السندات، وذلك بأن تتفق الأوقاف مع جهة تمويلية كالمصارف الإسلامية على إنشاء شركة بينهما، يكون نصيب الأوقاف فيها قيمة الأعيان الموقوفة المنوي استغلالها بإقامة المشاريع عليها، ونصيب الممول فيها ما يقدمه من التمويل اللازم لإنشاء هذه المشاريع، على أن يقوم الممول بإدارة واستغلال هذه المشاريع، ويكون الربح بينهما بحصة شائعة، على أن يراعى عن تقسيم الربح ثمن الجهد الذي قدمه العامل، وأن تتضمن هذه الصيغة وعدا ملزما من جانب الممول ببيع حصته لجهة الوقف، وذلك حسبما تقتضيه الشروط المتفق عليها.
وتظهر فائدة هذا الأسلوب من خلال الأمور الآتية:( )
أولا: أنه يمكّن الممول من الدخول في استثمارات متعددة برأس مال أقل مما لو انفرد بالتمويل، مما ييسر له قدرا من السيولة النقدية لمواجهة احتياجاته أو لتنوع استثماراته.

ثانيا: يوفر على الأوقاف مؤونة إدارة وتنفيذ المشروع، إذ أنه يدفع الممول إلى أن يساهم في ذلك مساهمة فعالة.
ثالثا: يسمح للممول بالانسحاب تدريجيا من المشروع بعد أن يسترد ما قدمه من تكلفة لإنشائه، بالإضافة إلى نصيبه من الربح مما يحقق رغبته في ذلك، كما أنه ينسجم مع المقاصد الشرعية في تأبيد الوقف وضرورة استثماره وصرف عوائده إلى الجهات المستحقة.
الفرع الثالث: الاستصناع.
أولا: تعريف الاستصناع.
إن الاستصناع من العقود التي أجازها الفقهاء، ويقصد به شراء عقار يبنى على الأرض الموقوفة بثمن مؤجل( ).
وقد تناوله المشرع الجزائري بالتسمية الحديثة له وهي عقد المقاولة وذلك في المادة 26 مكرر 06/1 من قانون الوقف 01/07 والتي تنص: " يمكن أن تستغل وتنمى الأملاك الوقفية حسب ما يأتي: بعقد المقاولة، سواء كان الثمن حاضرا كلية أو جزءا في إطار أحكام المادة 549 وما بعدها من القانون المدني ".
وقد عرف عقد المقاولة في المادة 549 من القانون المدني الجزائري بأنه: " عقد يتعهد بمقتضاه أحد المتعاقدين أن يصنع شيئا أو أن يؤدي عملا مقابل أجر يتعهد به المتعاقد الآخر ".
وحتى ينشأ عقد الاستصناع أو المقاولة صحيحا يشترط أن تعلن إدارة الأوقاف بأنها مستعدة للسماح لجهة تمويلية فإن تبني بناءا على أرضها يكون ملكا للجهة التي بنته، ولكن إدارة الأوقاف تشتريه بعد اكتماله


من الجهة التي بنته بثمن مؤجل، حيث يقسم هذا الثمن إلى أقساط تدفعها سنويا، تكون أقل من الأجرة المتوقعة من تأجير هذا البناء، حتى تكون مطمئنة إلى أنها ستجد المال الكافي لتسديد أقساط ثمن البناء إلى الجهة التمويلية( ).
إن من مميزات عقد الاستصناع أنه لا يشترط فيه تعجيل الثمن، بل يجوز تأجيله وتقسيطه، حيث يسترد بالتدريج من المبالغ المتصلة بالإجارة.
والمؤكد أن الجهة الممولة للبناء، لابد أن تضع يدها على البناء لتضمن أن الأوقاف ستسدد لها ما عليها في المواعيد المحددة، وبعد انتهاء فترة التسديد والتي قد تكون فترة طويلة، سيؤول العقار إلى الأوقاف ليصبح ملكا خالصا لها، وقد أشارت المادة 26 مكرر 06/1 من القانون 01/07 إلى هذه الميزة حيث أجازت أن يكون الثمن حاضرا كليا أو معجلا، أو أن يكون مجزءا أي مقسط وفق أجال محددة.
وهذا التأجيل من طرف إدارة الأوقاف في تسديد الاستحقاق الثابت في ذمتها لا يؤثر في عقد الاستصناع، لأن هذا العقد تستفيد منه إدارة الأوقاف لبناء مشروعات ضخمة ونافعة، حيث تستطيع أن تتفق مع البنوك الإسلامية أو المستثمرين على تمويل المشاريع العقارية على أرض الوقف أو غيرها. والمصانع ونحوها عن طريق الاستصناع، وتقسيط ثمن المستصنع على عدة سنوات، وغالبا ما يتم الإستصناع في البنوك الإسلامية عن طريق الاستصناع الموازي حيث تتفق هذه البنوك مع المقاولين لتنفيذ المشروع بنفس المواصفات التي تم الاتفاق عليها بينها وبين إدارة الوقف.
ثانيا: شروط الاستصناع.
يشترط لجواز الاستصناع شروط منها:


‌أ. بيان جنس الشيء المصنوع، ونزعه، وقدره، وصفته، بيانا تاما نافيا للجهالة الفاحشة المؤدية إلى النزاع.
‌ب. أن يكون الاستصناع مما يجري به التعامل.
‌ج. اشتراط الأجل في الاستصناع.
الفرع الرابع: التطبيقات المعاصرة لعقد الاستصناع في مجال الوقف( ).
إن مشكلة عدم توافر السيولة النقدية – التي تعاني منها الجهات المسؤولة عن الوقف، تحول دون استغلال هذه الجهات للأملاك الوقفية – ويمكن حلها بالاعتماد على الجهات التمويلية المختلفة؛ كالمصارف الإسلامية مثلا، في تمويل استثماراتها على الأراضي الوقفية بموجب عقد الاستصناع، وذلك بأن تتفق الأوقاف مع إحدى هذه الجهات بموجب هذا العقد على القيام بمشروع معين على أرض الوقف؛ بحيث تقدم الأوقاف لهذه الجهات كافة المواصفات والمقاييس المطلوبة لإقامة هذا المشروع، ثم تقوم الجهة التمويلية بدورها بالعمل الموكل إليها؛ إما من خلال الأجهزة المتخصصة التابعة لها، أو بالاستعانة بغيرها من الجهات المتخصصة للقيام بهذا العمل.
وبعد إتمام المشروع تقوم الوقاف باستلامه بعد تأكدها – من خلال تشكيل لجان دراسية متخصصة – من مطابقته للمواصفات والمقاييس والشروط المطلوبة، على أن تقوم بدفع ثمن هذا المشروع إلى الجهات التمويلية، على شكل أقساط تحدد قيمتها ومواعيد استحقاقها، بناء على الريع المتوقع لاستغلالها هذا المشروع. وذلك حتى تكون الأوقاف مطمئنة إلى أنها ستجد المال الكافي لتسديد الأقساط المترتبة عليها في المواعيد المحددة.


والجدير بالذكر أنه يمكن أن تقوم جهة ثالثة مليئة – كالدولة مثلا – بضمان قيمة هذه الأقساط، وتسديدها في المواعيد المقررة لها، ويمكن أن يكون التزام الدولة بذلك على سبيل الهبة أو القرض الحسن، الأمر الذي يشجع المستثمرين على تشغيل أموالهم في مجال الوقف بموجب هذا العقد.
والواقع أن استثمار الأوقاف لأملاكها بموجب هذه الصيغة يعتبر مفضلا على غيره من الصيغ؛ لما يأتي:
أولا: إن هذه الصيغة توفر على الأوقاف مؤونة القيام بالرقابة المباشرة والمستمرة على إدارة وتنفيذ المشروع؛ إذ أنها لا تملك غالبا الإمكانات الإدارية المتخصصة والكافية للقيام بهذا العمل.
ثانيا: تنسجم هذه الصيغة مع رغبة كل من الأوقاف والمستثمر في عدم استمرارهما شريكين بالمشروع مع بعضهما، فالأوقاف – من جانبها – لا ترغب في أن يدخل طرف آخر شريكا في ملك الوقف. والمستثمر عادة يرغب بالخروج من المشروع، وقد استرد كلفته وشيئا من الربح في حال نجاح المشروع.
ثالثا: إمكان حصول الأوقاف/المستصنع على المصنوعات التي تريدها بأسعار تنافسية، ولا سيما إذا كانت الكمية/المشروع التي تطلبها كبيرة الحجم أو مرتفعة الثمن؛ بحيث تغري الجهة الممولة/الصانعين فيخفضون من السعر سعيا للفوز بالصفقة، وهو ما يعرف بـ " خصم الكمية "، وقد تزداد نسبة التخفيض في السعر إذا كانت شروط الدفع مغرية للصانعين " حسم البيع النقدي ". هذا ويمكننا تصور نموذج لتطبيق هذه الصيغة في الواقع العملي على نحو معين يضمن الاحتياط في جانب الوقف.
المطلب الثاني: المشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك.
يمكننا تعريف هذه الصيغة على أنها نوع من المشاركة يعطي بموجبه الممول للشريك الحق في الحلول محله في ملكية المشروع، إما دفعة واحدة أو على دفعات، وذلك حسبما تقتضيه الشروط المتفق عليها، على


أساس إجراء ترتيب منظم لتجنب جزء معين من الدخل المتحصل يدفع أقساطا لسداد قيمة الحصة المتنازل عنها.
والجدير بالذكر أن هذه الصيغة قد أقرها العديد من المؤتمرات والندوات العلمية المتخصصة، وهيئات الفتوى التابعة للبنوك الإسلامية من حيث موافقتها للأحكام الفقهية المقررة حول هذا الموضوع.
ومن الواضح هنا أن يمكنها استثمار أملاكها بموجب هذه الصيغة، وذلك بأن تقوم بإنشاء شركة بينها وبين غيرها من الممولين كالمصارف الإسلامية مثلا، على أن تكون حصة الأوقاف في هذه الشركة قيمة الأعيان الموقوفة المنوي استغلالها بإقامة مشروع معين عليها، وحصة الممول فيها الأموال اللازمة لإقامة هذا المشروع، وتوزع الأرباح بنسبة الحصص المتفق عليها، على أن يتضمن عقد الشركة وعدا ملزما من جانب الممول ببيع حصته للأوقاف؛ الأمر الذي يستدعي الأوقاف أن تقسم الأرباح إلى جزأين:
الجزء الأول تخصصه للإنفاق على مصاريفها الذاتية، أما الجزء الآخر فتخصصه لتسديد أصل ما قدمه الممول من تمويل.
والواقع أن هذا الأسلوب من أساليب الاستثمار يجعل الممول – بكونه شريكا – يساهم مساهمة فعالة في عمليه إدارة وتنفيذ المشروع. كما أنه ينسجم مع رغبة كل من الأوقاف والممول في عدم استمرارهما شريكين بالمشروع.
وهذا يمكننا تصور نموذج لتطبيق هذه الصيغة في الواقع العملي على نحو يراعى من خلاله الاحتياط لجانب الوقف.



الفرع الأول: البيع التأجيري، أو الإجارة المتناقصة.
يمكن للأوقاف استغلال أملاكها بموجب هذه الصيغة، وذلك بأن تتفق مع جهة تمويلية كالمصارف الإسلامية مثلا على أن تؤجرها – الأوقاف – الأرض الوقفية بأجرة سنوية معينة، على أن تقوم الأخرى بالبناء على هذه الأرض، بشرط أن يتضمن عقد الإيجار وعدا ملزما من جانب المستأجر – الممول – ببيع البناء الذي على الأرض إلى الأوقاف، وأن يتقاضى ثمنه على شكل أقساط سنوية يتم دفعها إليه من الأجرة التي تأخذها الأوقاف.
ومن هنا يتضح أن قيمة القسط السنوي تكون اقل من قيمة أجرة الأرض السنوية، ويتضح أيضا أن عدد السنوات التي سيبقى فيها المستأجر مستغلا للبناء الذي بناه لصالحه تساوي عدد الأقساط التي ستدفع إليه لتسديد أصل ما قدمه من تمويل لبنائه.
والملاحظ على هذه الصيغة أنها لاتوفق بين رغبة المستثمر – الممول – في استغلال البناء الذي بناه أطول مدة ممكنة من الزمن، وبين رغبة الأوقاف في الاستفادة من العقار الوقفي الذي تم البناء عليه، واستقلاله عن أي ذمة أخرى بعد فترة زمنية ليست طويلة؛ إذ أنها بذلك تضحي بالعقار الوقفي وبأجرته – أو بجزء كبير منها – مدة طويلة من الزمن.
ومن هنا يتضح أن الصيغ الأخرى للاستثمار في مجال الوقف تعتبر مفضلة على هذه الصيغة من الناحية الاقتصادية، الأمر الذي يحتم على الأوقاف عدم اللجوء إليها إلا في حالة عدم إمكان تطبيق غيرها من الصيغ. ولعل بيان مزايا وخصائص هذا النوع من التمويل من وجهة نظر المؤجر/الأوقاف، أو من وجهة نظر المستأجر/الممول يؤكد ما ذهبنا إليه، وهذه الخصائص هي( ):

أولا: أهم خصائص عمليات التأجير من وجهة نظر المؤجر (المستثمر) / الأوقاف.
‌أ. أن عمليات التأجير تكتسب خصائص الاستثمارات متوسطة (طويلة) الأجل المتمثلة في انتظام الدخل، والقدرة على تخطيط الاستثمارات.
‌ب. تستخدم عمليات التأجير من اجل تنويع الاستثمارات (تنويع أدوات الاستثمار) ومن ثم التقليل من المخاطر الاستثمارية.
‌ج. سهولة إدارة ومتابعة هذا النوع من التمويل.
ثانيا: أهم خصائص عمليات التأجير من وجهة نظر المستأجر (الممول).
‌أ. يعتبر التأجير من وجهة نظر المستأجر مصدر تمويل متوسط (طويل) الأجل.
‌ب. التخلص من المخاطر المرتية بالملكية والتقليل منها: مثل التقادم، أو الهلاك (بآفة سموية مثلا) ونقل هذه المخاطر إلى المؤجر.
‌ج. توفير السيولة للمستأجر وتوجيهها نحو استخدامات أخرى بدلا من استخدامها في شراء الأصول.
‌د. التوفير الضريبي؛ على اعتبار أن الدفعات الإيجابية تعتبر عبئا على الإيراد وتقتطع بالتالي من الوعاء الضريبي.
الفرع الثاني: المزارعة والمساقاة والمغارسة( ).
يتمثل أسلوب المزارعة بأن تقدم الجهة المالكة للأرض الزراعية – غير المزروعة – أرضها لجهة أخرى لتقوم باستثمارها عن طريق زراعتها، محتملة ما يلزم من النفقات، على أن يتم اقتسام الناتج بينهما بنسبة يتفقان عليها.

أما أسلوب المساقاة فيتمثل بأن تقدم الجهة المالكة للأرض الزراعية – المشجرة – أرضها لجهة أخرى لتقوم باستثمارها عن طريق اعتنائها بالشجر، والإشراف عليه، على أن يقتسما الناتج بينهما بنسبة معينة يتفقان عليها.
أما أسلوب المغارسة فيتمثل بأن تقدم الجهة المالكة للأرض الزراعية – غير المشجرة – أرضها لجهة أخرى تقوم باستثمارها عن طريق زراعتها بنوع من الشجر واعتنائها به، والإشراف عليه، على أن يقتسما الناتج بينهما بنسبة معينة يتفقان عليها.
والواقع أن هناك خلافا كبيرا بين الفقهاء حول تقسيم هذه الصيغ وتسميتها، وجوازها، إلا أن الرأي الراجح بين هذه المذاهب هو القول بجوازها جميعا.
ومن الواضح هنا أن الأوقاف يمكنها استثمار أملاكها بموجب إحدى هذه الصيغ، وذلك عندما تكون مالكة للأراضي الزراعية – المشجرة وغير المشجرة – وليست لديها الإمكانات لاستثمارها، وترى من مصلحتها أن يقوم طرف آخر باستثمارها، وذلك بأن تتفق الأوقاف مع جهة تمويلية معينة كالمصارف التي تريد استثمارها زراعيا إلى المصرف الإسلامي ليقوم باستثمارها عن طريق شركة زراعية مزودة بالتجهيزات الحديثة والخبرات الفنية اللازمة، على أن يتم اقتسام الناتج بينهما وفق نسبة معينة يتفقان عليها مسبقا.
والجدير بالذكر أن هذه الصيغ تعتبر من أنجح الطرق في استغلال الأراضي الزراعية من الناحية الاقتصادية، وذلك لأنها تبقي على صلة المالك – الجهة المسؤولة عن الوقف – بأرضه، الأمر الذي يجعله يهتم بتحسينها، وبذل الجهود المضاعفة لاستغلالها، والاستفادة منها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذه الصيغ لا تعمل على إضعاف القدرة الإنتاجية للأرض كما هو الحال – غالبا – في الأجارة.


المطلب الثالث: تحديد المبادئ الإقتصادية للصيغ المستحدثة.
من خلال الاستعراض السابق للصيغ المستحدثة لاستثمار وتنمية أموال الأوقاف – ببيان ماهية كل منها، والإشكالات الفقهية والفنية التي قد ترد عليها، وكيفية تطبيقها والإفادة منها، وبيان الجدوى الاقتصادية منها، وما يعود على الأطراف المشاركة فيها من فوائد – يمكننا الوقوف على جملة من الخصائص المشتركة تجعلنا نستخلص جملة من الأمور تحدد لنا ملامح الطريق الصحيح في تنمية واستثمار أموال الأوقاف، على أسس علمية تتفق وأهداف النظام الاقتصادي الإسلامي.
الفرع الأول: السمات العامة للمشاريع المفضلة للاستثمار.
أولا: أن تكون هذه المشروعات في دائرة الحلال( )، وأن تتقيد بالقواعد التي وضعتها الشريعة الإسلامية لتنظيم جميع الطرق المباحة لاستثمار الأموال واستغلالها، هذا فضلا عن المساهمة في تحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية من وراء الاستثمار في هذه المشروعات، كتفصيل المشروعات " مكثفة العمالة " على المشروعات " مكثفة رأس المال " مساهمة في الحد من البطالة، أو اختيار المشروعات التي لا ترفع المستوى العام للأسعار مساهمة في الحد من التضخم( )، كل ذلك ضمن الحدود التي لا تؤثر على المهام الكبيرة والمنوطة بمؤسسة الوقف في المجتمع الإسلامي.
ثانيا: أن تحقق هذه المشروعات أكبر ربح ممكن( )، حيث إننا نعلم أن معظم الجهات القائمة على رعاية


الشؤون الوقفية والإسلامية تفتقر إلى دخل يكفي لأداء مهمتها الكبيرة في المجتمع على النحو المناسب، ولا يخفى أن قلة الدخول التي يتقاضاها العاملون في هذه الجهات يؤثر على مستوى الأداء، فنجد مثلا أن الأوقاف – في كثير من البلدان الإسلامية – عاجزة عن أن تدفع لأئمة المساجد رواتب مجزية، وأن تختار بالتالي أئمة على كفاءة من الثقافة والمقدرة، ومن هنا لا ينبغي إلزام الأوقاف بالبحث في استثماراتها الحلال عن شيء آخر إضافة إلى العائد المرتفع؛ لأن ذلك سيؤدي إلى التضحية في تحقيق الواجبات والوظائف المنوطة بها، والتي لا يوجد من يؤديها في المجتمع سوى الأوقاف.
ومن هنا فإنه من الصحيح من الناحية الفقهية أن الجهات القائمة على أمور الأوقاف تعتبر مثل ولي اليتيم لا يجوز له التبرع بماله، حتى ولو كان هذا التبرع لأهداف نبيلة ومحمودة شرعا؛ وعليه ينبغي على تثلك الجهات أن ترعى أموال الوقف بما هو أصلح ماليا للوقف، فليست مسؤولة عن تحقيق مختلف الأهداف الاجتماعية التي توجد أجهزة أخرى في الدولة المعاصرة مناط بها أداء هذه الأهداف أو المهمات.
والخلاصة أن الأوقاف عليها أن تحاول أداء مهمتها على أكمل وجه، ومهمتها المباشرة هي توليد دخل مرتفع تستطيع به أن تحقق تقديم الخدمات التي تشرف عليها على افضل نحو ممكن، وهذا أكثر ما يتحقق إذا بحثت في دائرة الاستثمار الحلال عن تلك الاستثمارات التي تحقق لها أعلى عائد مالي.
ثالثا: أن تكون فترة انتهاء الممول من عملية التمويل في هذه المشروعات فترة محددة ومعلومة. وهذه السمة لها جانبان: الأول فقهي؛ حيث أن طبيعة الوقف في الفقه الإسلامي وبخاصة فيما يتعلق بتأبيد الوقف ولزومه تقتضي استقلال ذمة الوقف عن أي ذمة أخرى، وإذا كان لابد من أن تنشغل ذمة الوقف مع ذمة الممول لضرورة الاستثمار والتنمية، فإنه لابد للضرورة أن تقدر بقدرها كما تقتضي بذلك القاعدة الفقهية، فيعمل


بناء على ذلك على إعادة ذمة الوقف مستقلة عن أي ذمة أخرى، وهذا لا يأتي إلا في المشاريع المحددة لفترة معلومة.
أما الجانب الاقتصادي، فإن المشروع الذي تكون فيه فترة انتهاء الممول من عملية التمويل فترة مجهولة يعتبر معيبا من الناحية الاقتصادية، لأن الممول/ أو المستثمر " الأوقاف " لا يستطيع دراسة هذا المشروع بطريقة مجدية، فيعلم ما إذا كان هذا الاستثمار مرغوبا به أو غير مرغوب بالنسبة إليه، و لاشك أن المشروع الذي تكون فيه فترة السداد معلومة يعتبر مفضلا من هذا الجانب، إذ عن مخاطر المستثمر تزداد وتكبر إذا كانت فترة السداد غير معلومة( ).
رابعا: ألا تحتاج هذه المشروعات إلى عمليات إشراف مباشرة من غدارة الأوقاف؛ ذلك أن بعض المشاريع الاستثمارية يتطلب أجهزة فنية واسعة ومتخصصة في الإدارة والإشراف، وقد لا تتوافر مثل هذه الأجهزة في أكثر المؤسسات الوقفية( ).
الفرع الثاني:الأهمية الاقتصادية للصيغ المستحدثة لاستثمار وتنمية أموال الأوقاف.
تكمن الأهمية الاقتصادية لهذه الصيغ المستحدثة فيما يأتي:
أولا: توفير امكان حصول الأوقاف على احتياجاتها المالية، لتمويل عمليات الاستثمار والتنمية.
ثانيا: تعمل هذه الصيغ المستحدثة على تقليل مخاطر وتكاليف الإشراف والمتابعة.
ثالثا: تساهم هذه الصيغ بتقديم خدمات اقتصادية واجتماعية للمجتمع لا يمكن تحقيقها بنفس الكفاءة عن طريق الصيغ التقليدية.


رابعا: إن التنوع الحاصل في صيغ التمويل والاستثمار التي تلجأ إليها الأوقاف يحقق منافع أخرى فرعية؛ منها تقليل مخاطر تقلب عوائد التمويل في الأنشطة المختلفة، وتنوع أدوات الاستثمار من حيث آجالها؛ الأمر الذي ينعكس على استمرارية التدفقات النقدية المتحصلة.
خامسا: تعزيز القدرة على تقديم خدمات أفضل للمجتمع الإسلامي / المستثمر المسلم، من خلال تقديم حزمة متكاملة من عقود الاستثمار تلبي احتياجات المستثمرين ورغاباتهم المختلفة. هذا فضلا عن أن هذه الصيغ يقترب معظمها من أسلوب التمويل بالمشاركة، ويسهم هذا النوع من التمويل في تحقيق أهداف النظام الاقتصادي، وزيادة الإنتاجية ويسهم كذلك في التوازن بين العمالة واستقرار الأسعار، ويقيم عدالة في توزيع الدخول في النظام الاقتصادي، ويحافظ على جودة الحياة المادية والمعنوية( ).      
الفرع الثالث: المحددات الاقتصادية للصيغ المستحدثة لاستثمار وتنمية أموال الأوقاف.
على الرغم من تعدد المنافع التي تحققها الصيغ المستحدثة، إلا أن هذه الصيغ تخضع لعدة عوامل تحد من تطبيقها، وأهم هذه العوامل ما يأتي:
أولا: مستوى التطور الحاصل في تطبيق صيغ الاستثمار في المؤسسات التمويلية الإسلامية؛ ذلك أن معظم هذه الصيغ قد أخذت طريقها في التطبيق على المستوى المؤسسي، ولم ترتق – بعد – إلى المستوى المطلوب، ومن المعلوم أنه كلما كان المستوى التطبيقي لهذه الصيغ أكبر زاد إمكان التوسع في تطبيقها.
ثانيا: حجم الأموال والأملاك الوقفية والتمويلية المتاحة للاستثمار في هذه الصيغ المستحدثة، حيث تختلف أهمية هذا العامل من بلد لآخر، ومن وقت لآخر.


ثالثا: العوائد المتوقعة من هذه الصيغ، فكلما كان العائد عاليا زادت المبالغ المستثمرة فيها، وكلما كان العائد منخفضا، كان التعامل بها قليلا.
رابعا: تنوع المخاطر المحيطة بتنفيذ هذه الصيغ المستحدثة.
إن هناك عديدا من المخاطر الاعتيادية التي تكتنف تنفيذ أي مشروع من خلال أي من هذه الصيغ، كتلك التي تعود إلى التغيير الحاصل في الأسعار، أو التي تعود إلى كفاءة وملاءة الممول... وغيرها، إلا أنه لابد من الإشارة على أن صيغ التمويل الإسلامية عموما – فضلا عن تلك الصيغ المناسبة للأوقاف على وجه الخصوص – مع دراسة ملابسات كل صيغة ومزاياها ومحاذيرها، لم تعط إلى الآن حقها من الدراسة والتمحيص.
ويجدر التنبيه إلى أنه قد توجد صيغة مقبولة شرعا، وجيدة اقتصاديا عند المستوى الأول من الدراسة، إلا أنه بعد التطبيق العملي قد تطرأ بعض المشكلات التطبيقية التي لم تكن متوقعة، وعليه فإن تطوير هذه الصيغ والتعامل معها لا يتطلب مجرد الدراسة النظرية الشرعية والاقتصادية فحسب، بل لابد أن يرتبط بالتطبيق العملي وملابساته( ).
 خاتمـة الفصل:
من خلال دراستنا السابقة لموضوع " الاتجاهات المعاصرة في تطوير الاستثمار الوقفي "، يمكننا القول أنه كان لمؤسسة الوقف الإسلامية دور مهم وبارز في الحضارة الإسلامية، وبخاصة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي فيها.


إن للأموال الوقفية طبيعة خاصة تميزها عن غيرها من الأموال، وقد ترتب على هذه الطبيعة وجود قيود خاصة ينبغي التقيد بها عند استعمال هذه الأموال والتصرف فيها، كما هناك نوعين من الصيغ لاستثمار وتنمية الأملاك الوقفية: النوع الأول يشتمل على تلك الصيغ التقليدية التي يمكن بموجبها استثمار وتنمية الوقف ذاتيا من فوائض ريعه، وهي استبدال وإجارة الوقف، أما النوع الثاني فيشتمل على تلك الصيغ المستحدثة التي يمكن بموجبها استثمار وتنمية الوقف بتمويل خارجي وهي المضاربة والشركة، والاستصناع، والمشاركة المتناقصة المنتهية بالتمليك، والبيع التأجيري أو الإجارة المتناقصة، والمزارعة والمساقاة والمغارسة.
إن إسناد مسؤولية استثمار وتنمية الأملاك الوقفية إلى جهة متخصصة ومستقلة عن غيرها، أمر يعتبر أجدى من الناحية الاقتصادية على الأوقاف من أن تتوزع هذه المسؤولية بين أكثر من جهة، هذا إذا أخذت بعين الاعتبار جميع الضمانات الكافية للحفاظ على الأملاك الوقفية عند استعمالها والتصرف فيها.      


الخـاتمــة العامـة
من خلال ما تم التطرق إليه، يمكن القول أننا حاولنا في بحثنا هذا تسليط بعض الضوء على موضوع استثمار الأملاك الوقفية، وهو في الحقيقة موضوع الساعة على طريق العودة إلى الحياة الإسلامية وما ميزها من مؤسسات اقتصادية واجتماعية تنهل من مبادئ الإسلام السامية، وتستفيد من الإنجازات التي حققتها الحضارة الإنسانية على مر العصور.
واقتراحنا لنظرية استثمار الوقف كأسلوب متميز لربط الوقف بالتنمية وجعله ذو حركية دائمة فإننا لمسنا من خلال ذلك الأبعاد المؤسسة لهذا المقترح من حيث العلاقة بين جمهور الواقفين والمؤسسة الوقفية من جهة، والمؤسسة الوقفية ووحدات العجز من جهة أخرى.
ومن هذا المنطلق، يمكن لمؤسسة الوقف أن تتحول إلى مؤسسة مالية بكل ما تحمله الكلمة من معنى حينها يحدث ما يصطلح عليه بـ: التراكم في المنبع والمصب.
وإذا أردنا فعلا أن يلعب الوقف الدور التنموي المنتظر منه، فإنه لابد من العمل على توعية الناس بالمفهوم الجديد للوقف على النحو الذي أوضحناه، بحيث يقتنع كل فرد مسلم بأن العين التي يوقفها ستكون   لا محالة بمثابة دعم للمركز المالي للمؤسسة الوقفية لزيادة رأس مالها وتمكينها من توسيع استثماراتها.  


أولا: في المجال التنظيمي.
ضرورة تدعيم المؤسسات الإدارة القائمة على شؤون الأوقاف بأخرى ذات إستقلالية تامة في التسيير والمتابعة لمختلف نشاطات الوقف وبطبيعة الحال تعمل تحت إشراف الوزارة الوصية حيث مهمتها:
‌أ. تنظيم سير نشاطات الأملاك الوقفية.
‌ب. إعادة الإعتبار وتفعيل سنة الوقف بإعتبارها إحدى الوسائل الفعالة في التنمية المستدامة.
‌ج. العمل على إسترجاع كافة الأملاك الوقفية وتسوية وضعيتها الإدارية وإجراء عملية الإحصاء النهائي لها.
‌د. نشر ثقافة الوقف بين أوساط المجتمع وإظهار أهميته بإستعمال مختلف وسائل الإعلام.
‌ه. تحديد مختلف الطرق المناسبة للإستثمار في مجال العقار الوقفي وتحضير المقبلين على مثل هذه العملية، وهذا من خلال تشريع تنظيمي للإستثمار.
ثانيا: في المجال الاقتصادي.
‌أ. العمل على تنفيذ صيغ الاستثمار المباشرة والمتمثلة في: عقد الإيجار / عقد الحكر / المرصد / بيع جزء أو كل الوقف.
‌ب. والعمل على تطبيق إجراء الاستثمار غير المباشرة والمتمثلة في: المزارعة / المساقاة / سندات المقارضة / عقد الاستصناع أو المقاولة / المشاركة المتناقصة.
‌ج. تشجيع الوقف النامي والذي يقوم على: نقدنة الأصول / مراعاة أحكام الشريعة الإسلامية.
‌د. إقناع المؤسسات المالية الناشطة بأساليب الشريعة الإسلامية بغية إسهامها في تفعيل المشاريع الإستثمارية للأوقاف.
‌ه. الإستعانة بخبر الدول التي لها تجارب في المجالات الاستثمارية للأوقاف.

ثالثا: توصيات أخرى.
‌أ. تنظيم حملات توعية على مختلف الأصعدة قصد دفع الجماهير إلى المشاركة الفعالة في حركة التنمية مع إظهار القيم التعبدية والإنسانية للوقف.
‌ب. إدراج " ثقافة الوقف " ضمن برامج المنظومة التربوية خاصة طلبة الصف الجامعي.
‌ج. ضرورة التطرق المستمر لمؤسسة المسجد لأهمية الوقف ودوره في التنمية المستدامة من خلال الخطب اليومية (الجمعة) أو المنسباتية.
‌د. جعل المواطن (الواقف) يعي بكل إيمان أن ما قدمه من وقف سواء كان عقاريا أو منقولا له جزاؤه الرباني المعلوم وجزاؤه الدنيوي وهو المشاركة في تقوية الأمة خاصة من الناحية الإقتصادية وجعلها تتبوأ مكانة محترمة بين الأمم الأخرى.

0 التعليقات:

إرسال تعليق